فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 821

-الثاني: تعديته بـ (إلى) ، ولو كان المراد: الانتظار، لعدّي بنفسه، كما قال تعالى: {ما ينظرون ... إلا صيحة واحدة .. } [يس: 49] ، وقال: {وإنّي مرسلة إليهم بهديّة فناظرة بم يرجع المرسلون ... } [النمل: 35] . ولا يعرف عند العرب النظر معدّى بـ (إلى) بمعنى الانتظار.

-الثالث: أنّ ظاهر الآية صريح في إثبات النظر بالعين، والقول بخلاف هذا الظاهر يحتاج إلى دليل، ولا دليل، بل الأدلّة كلّها تدلّ على إثبات هذا النظر.

-الرابع: إذا جاز لهم هذه الدعوى، جاز لغيرهم أن يدّعوها في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} ، فيقولوا: لا تدرك غيره، ولم يُرِد أنّها لا تدركه. وإذا لم يجز ذلك، لم يجز هذا.

-الخامس: لو كان المعنى: منتظرة ـ كما قالوا ـ لما ناسب أن تكون (ناضرة) ، لأنّ المنتظر يبدو على وجهه الحزن والترقب، لأنّه متوقّع شيئًا لم يحصل له، والوجه الناضر خلاف ذلك.

-السادس: أن يقال: ليس في شيء من أمر الجنّة انتظار، لأنّ الانتظار لا يخلو من تنغيص وتكرير، وذلك منزّه عنه أهل الجنّة.

هذه ستّة أوجه، كلّها تدلّ على أنّ النظر في الآية المذكورة، لا يجوز أن يكون بمعنى الانتظار.

أمّا ما ذكروه من أنّ هذا القول مرويّ عن جماعة من السلف، فهو لم يرو إلا عن مجاهد ـ رحمه الله ـ، فإنّه قال:"تنتظر ثواب ربّها"، وقوله هذا ـ إن صحّ عنه ـ لا حجّة لهم فيه، لأنّ مجاهدًا لم يصرّح بنفي الرؤية، فيحمل قوله على أنّ المؤمنين ـ مع ثبوت رؤيتهم لربّهم ـ ينتظرون ثوابه. ولا ثواب أعظم من النظر إلى وجهه الكريم ـ تبارك وتعالى ـ [1] .

(1) ينظر: الردّ على الجهميّة للدارمي: 1/ 128. وقد ورد عن مجاهد التصريح بنفي الرؤية في الآخرة في أثرين، ذكرهما ابن جرير في تفسيره: (12/ 343، 344) ، من طريق شيخه محمّد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كما قال ابن حجر في التقريب: 2/ 156. وقال في هدي الساري (بيروت: دار المعرفة) : (ص 354) :"لا يحتجّ به". وفي الفتح (1/ 435) قال:"فيه مقال". وضعّفه الهيثمي كما في مجمع الزوائد: (5/ 47) . والكناني في مصباح الزجاجة (بيروت: دار العربية) : (3/ 74) . بل رمي بالكذب كما عند ابن حبّان في المجروحين (حلب: دار الوعي) : 2/ 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت