فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 821

-الرابع: أنّ في الكلام حذفًا، والمعنى: وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون. ثمّ حذف هذا لمعرفة السامع.

احتجّ أصحاب القولين الأوّل والثاني بأنّ (أنّ) لو كانت على بابها، ولم تكن بمعنى (لعلّ) ـ كما قال أصحاب القول الأوّل ـ، ولم تكن (لا) زائدة ـ كما قال أصحاب القول الثاني ـ، لعاد الكلام عذرًا للكفّار، ولاختلّ معنى الآية.

وقالوا: إنّ (أنّ) تأتي بمعنى (لعلّ) في لغة العرب، وذكروا لذلك شواهد من كلام العرب وأشعارهم [1] .

واحتجّوا بما في مصحف أبيّ [2] ـ رضي الله عنه ـ: {وما أدراكم لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون ... } ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود [3] .

قالوا: ويؤيّد ذلك: أنّ يشعركم ويدريكم بمعنى. وكثيرًا ما تأتي (لعلّ) بعد فصل الدراية، نحو: {وما يدريك لعلّه يزّكّى ... } [عبس: 3] [4] .

وأجيب عمّن قال بأنّ (لا) زائدة، أو صلة [5] من ثلاثة أوجه:

(1) ينظر: جامع البيان: 5/ 308، ومغني اللبيب: ص 331.

(2) هو الصحابّ الجليل: أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري النجاري، أبو المنذر، سيّد القرّاء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلّها. مات سنة: ثلاثين في خلافة عثمان. (ينظر: الإصابة مع الاستيعاب: 1/ 27، 31) .

(3) ينظر: البحر المحيط: 4/ 204، والحجّة في القراءات السبع: ص 147.

(4) ينظر: مغني اللبيب: ص 331.

(5) قد أنكر بعض العلماء والباحثين إطلاق لفظ الزيادة على حرف من حروف القرآن، أو لفظ من ألفاظه. يقول الزرقاني ـ رحمه الله ـ:"فليس فيه [أي: القرآن] كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة، وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى، دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية: إنّها (مقحمة) ، وفي بعض حروفه: إنّها (زائدة) زيادة معنوية، ودع عنك قول الذي يستخفّ كلمة التأكيد، فيرمي بها في كلّ موطن، يظنّ فيه الزيادة، لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه، فتصلح لتأكيده أو لا تكون، ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد، أو لا حاجة له به. أجل: دع عنك هذا وذاك؛ فإنّ الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها، إنّما هو ضرب من الجهل ـ مستورًا، أو مكشوفًا ـ بدقّة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن، وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسراره البيانية على ضوء هذا المصباح، فإن عمي عليك وجه الحكمة في كلمة منه، أو في حرف، فإيّاك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظانون، ولكن قل قولًا سديدًا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف" (مناهل العرفان في علوم القرآن(بيروت: دار الفكر) : 2/ 326. ... =

= ... وقال الزركشيّ ـ رحمه الله ـ موضّحًا هذه المسألة:"الثالث [أي: ممّا ينبغي الحذر منه] : تجنّب لفظ الزائد في كتاب الله ـ تعالى ـ، أو التكرار، ولا يجوز إطلاقه إلا بتأويل، كقولهم: الباء زائدة، ونحوه؛ مرادهم أنّ الكلام لا يختلّ بحذفها، لا أنّه لا فائدة فيه أصلًا، فإنّ ذلك لا يُحتمل من متكلّم، فضلًا عن كلام الحكيم. وقال الخشّاب في المعتمد: اختلف في هذه المسألة، فذهب الأكثرون إلى جواز إطلاق الزائد في القرآن، نظرًا إلى أنّه نزل بلسان القوم ومتعارفهم، وهو كثير، لأنّ الزيادة بإزاء الحذف. هذا للاختصار والتخفيف، وهذا للتوكيد والتوطئة. ومنهم من لا يرى الزيادة في شيء من الكلام، ويقول: هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة، جاءت لفوائد ومعان تخصّها، فلا أقضي عليها بالزيادة. ونقله عن ابن درستويه. قال: والتحقيق: أنّه إن أريد بالزيادة: إثبات معنى لا حاجة إليه، فباطل، لأنهّ عبث، فتعيّن أنّ إلينا به حاجة، لكنّ الحاجات إلى الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد، فليست الحاجة إلى اللفظ الذي زيد عندها، ولا زيادة كالحاجة إلى الألفاظ التي رأوها مزيدة عليه. وبه يرتفع الخلاف". (البرهان في علوم القرآن: 1/ 305) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت