وقيل:"إثبات مزيّة لأحد الدليلين على الآخر" [1] .
فأصل استعمال الترجيح: في الحسّيّات كالأجسام ونحوها، ثمّ استعمل في المعاني على سبيل المجاز استعارة من رجحان الأجسام [2] .
ومن خلال التعريفات السابقة للاختيار والترجيح، يظهر الفرق بينهما من وجوه عدّة:
-أحدها: أنّ الاختيار اصطفاء وانتقاء من مجموع تتقارب فيه الوجوه والأوصاف ـ وإنّ لم تتطابق ـ، فيكون لبعضها على بعض عند الناظر مزيّة، تستدعي اختياره وتقديمه، مع بقاء الآخر محتملًا غير مطّرح.
أمّا الترجيح، فهو تغليب طرف على طرف إلى حدّ التضعيف والاطّراح، وهذا ما يدلّ عليه لفظ (رجّح) بالتضعيف.
ويقوّي هذا الوجه، الوجه:
-الثاني: وهو أنّ أحدًا ممّن عرّفوا الترجيح لم يعرّفوه بأنّه الاختيار، ممّا يدلّ على الفرق، وإن كان بعضهم قد عرّف الاختيار بأنّه ترجيح، فكلّ اختيار ترجيح، وليس كلّ ترجيح اختيارًا.
-الثالث: أنّ الترادف المحض غير موجود في اللغة عند جمع من أهل اللغة، نعم قد يكون اللفظان متّفقين في الدلالة على معنى واحد، لكن يمتاز أحدهما على الآخر بزيادة في المعنى، بوجه من الوجوه، ومثال ذلك: لفظ السيف والصارم والمهنّد، فلفظ السيف يدلّ عليه مجرّدًا، ولفظ الصارم يدلّ على صفة الصرم وهي القطع، ولفظ المهنّد يدلّ على النسبة إلى الهند [3] ، فكلّ صارم ومهنّد سيف، وليس كلّ سيف صارمًا ومهنّدًا. ويشبه ذلك: الاختيار والترجيح.
(1) الحدود الأنيقة: 1/ 83، والتعريفات للجرجانيّ (بيروت: دار الكتب العلميّة) : ص 56، ومنتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب (بيروت: دار الكتب العلميّة) : ص 222.
(2) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (بيروت: مؤسّسة الرسالة) : 3/ 677، 678.
(3) ينظر: مجموع الفتاوى: 20/ 423، 424.