واختار الطبريّ أنّ المراد بالذكر هنا: الذكر القلبيّ، وهو الاتّعاظ، والاعتبار [1] . ووافقه أبو حيّان [2] .
وحجّتهم: أنّ الله عطف عليه قوله: {ودون ... الجهر من ... القول} ، والعطف يقتضي المغايرة، فيكون الأوّل ـ وهو قوله (واذكر ربّك في نفسك) ـ للذكر النفسانيّ القلبيّ. والثاني ـ وهو قوله (ودون الجهر من القول) ـ للذكر اللسانيّ [3] .
وما اختاره الشيخ هو الأصحّ، وذلك لوجهين:
-أحدهما: أنّ الأمر بالذكر في كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ إذا أسند إلى الربّ أو إلى لفظ الجلالة؛ فإنّ المقصود به الذكر باللسان مع القلب [4] .
-الثاني: أنّ قوله تعالى: {ودون ... الجهر من ... القول} يدلّ على أنّه ذكر باللسان، كما قال تعالى في موضع آخر: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا} [الإسراء: 110] ، وقول من قال إنّه معطوف على قوله (واذكر ربّك) ، والعطف يقتضي المغايرة .. لا يصحّ. والصحيح أنّه معطوف على قوله (تضرّعًا وخيفة) [5] ، فيكون الأمر بالذكر مأمورًا به في حال تضرّعٍ، وخيفة، وخفض صوت، لأنّ ذلك أدعى إلى الخشوع والخضوع، وأقرب إلى الإخلاص، كما قال تعالى قبل ذلك في السورة نفسها: ادعوا ربّكم تضرّعًا وخفية إنّه لا يحبّ المعتدين ...
(1) ينظر: جامع البيان: 6/ 165.
(2) ينظر: البحر المحيط: 4/ 449. ومن المتأخّرين: البقاعيّ: 3/ 178.
(3) ينظر: البحر المحيط: 4/ 449.
(4) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن: ص 271، 272. مادّة (ذكر) .
(5) ينظر: التبيان في إعراب القرآن: ص 175.