1.أنّا وإن قلنا بخلق الفعل، فالعبد لا يسلبه، بل يضاف إليه أيضًا، فلا يقال: ما آمنت، ولا صلّيت، ولا صمت، ولا صدقت، ولا علمت .. فإنّ هذا مكابرة، إذ أقلّ أحواله الاتّصاف، وهو ثابت.
2.أنّ هذا لم يأت في شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ببدر، ولو كان هذا لعموم خلق الله أفعالَ العباد، لم يختصّ ببدر.
-القول الثالث: أنّ الله خرق العادة في ذلك، فصارت رؤوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة، وصارت الجريدة تصير سيفًا يقتل به، وكذلك رمية رسول الله أصابت من لم يكن في قدرته أن يصيبه. فكان ما وجد من القتل، وإصابة الرمية، خارجًا عن قدرتهم المعهودة، فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه.
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ:"وهذا أصحّ، وبه يصحّ الجمع بين النفي والإثبات .." [1] .
وقال في موضع آخر:".. قوله { .. وما رميت إذ رميت ولكن ّ ... الله رمى ... .. } لم يرد به أنّ فعل العبد هو فعل الله تعالى ـ كما تظنّه طائفة من الغالطين ـ، فإنّ ذلك لو كان صحيحًا، لكان ينبغي أن يقال لكلّ أحد، حتّى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت، ولكنّ الله مشى. ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت، ولكنّ الله ركب. ويقال للمتكلّم: ما تكلّمت إذ تكلّمت، ولكنّ الله تكلّم. ويقال ذلك للآكل، والشارب والصائم والمصلي، ونحو ذلك. وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر: ما كفرت إذ كفرت، ولكنّ الله كفر. ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت، ولكنّ الله كذب. ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد، خارج عن العقل والدين. ولكنّ معنى الآية: أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يوم بدر رماهم، ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم، فإنّه إذ رماهم بالتراب، وقال:"شاهت الوجوه" [2] ، لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلّهم، فالله"
(1) مجموع الفتاوى: 15/ 39، 40. (باختصار وتصرّف يسير) .
(2) أخرجه الطبراني في الكبير: 3/ 203، برقم: 3128 بإسناد حسن كما قال الهيثميّ في مجمع الزوائد: 6/ 84. وأخرجه الطبريّ بتمامه في تفسيره: 6/ 203 مرسلًا، ورواه من طرق أخرى كلّها مرسلة، وبعض أسانيدها صحيحة، لكنّ علّتها الإرسال، وليس فيها قوله:"شاهت الوجوه" (ينظر: جامع البيان: 6/ 203، 204. وينظر: مرويّات غزوة بدر لأحمد باوزير(المدينة: مكتبة طيبة) : ص 215 ـ 221). وقد صحّ عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في غزوة حنين أنّه رمى التراب في وجوه المشركين، وقال"شاهت الوجوه"، أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين: ص 464، برقم: 1777.