تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم كلّهم بقدرته، يقول: وما أوصلت إذ حذفت، ولكنّ الله أوصل. فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه، فإنّ هذا مستلزم للجمع بين النقيضين، بل نفى عنه الإيصال والتبليغ، وأثبت له الحذف والإلقاء" [1] ."
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ فيما ذهب إليه: الزمخشريّ [2] ، والعزّ بن عبد السلام [3] [4] ، والواحديّ [5] ، والبيضاويّ [6] .
واختار القول الثاني: الطبريّ [7] ، والنسفيّ [8] .
وقد ذكر الطبريّ ـ رحمه الله ـ أنّ في هذه الآية أدلّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إليها.
ثمّ قال ـ رادًّا على هؤلاء المنكرين ـ:"قد علمتم إضافة الله رمي نبيّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيّه به، وإضافته إليه، وذلك فعل واحد: كان من الله تسبيبه وتسديده، ومن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز، ومن الخلق الاكتساب بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولًا، إلا ألزموا في الآخر بمثله" [9] .
(1) مجموع الفتاوى: 2/ 331، 332. وينظر: منهاج السنة النبويّة: 2/ 44، والاستغاثة: 1/ 323.
(2) ينظر: الكشّاف: 2/ 119.
(3) ينظر: مجاز القرآن (طرابلس: كلية الدعوة الإسلامية) : ص 188، 189، وقد عبّر عن المعنى بقوله:"أراد بالرمي المنفيّ: آخر أجزاء الرمي التي وصل بها التراب إلى أعينهم. وبالرمي المثبت: شروعه في الرمي، وأخذه فيه، فيكون المعنى: وما أوصلت التراب إلى أعينهم إذ شرعت في الرمي، وأخذت فيه".
(4) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الدمشقي عزّ الدين الملقّب بسلطان العلماء لقوّته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له مصنفات منها: التفسير الكبير، وقواعد الأحكام، انتقل إلى مصر ومات فيها سنة: 660 هـ. (ينظر: شذرات الذهب: 5/ 301، والأعلام: 4/ 21) .
(5) ينظر: الوجيز: 1/ 434.
(6) ينظر: أنوار التنزيل: 3/ 96. واختار هذا القول من المتأخرين: ابن كثير: 2/ 295، وأبو السعود: 4/ 13، والسعديّ: 3/ 152، وابن عاشور: 9/ 51، 52.
(7) ينظر: جامع البيان: 6/ 202.
(8) ينظر: مدارك التنزيل: 2/ 59. ومن المتأخّرين: البقاعيّ: 3/ 197.
(9) جامع البيان: 6/ 202.