واختار بعض المفسّرين أنّ قوله {واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ... ظلموا منكم خاصّة} ، أي: خاصّة بهم. ولو كان المعنى عموم الفتنة، لكان: لا تصيبُ [1] . ويؤيّد هذا القول: قراءة من قرأ: { .. لَتصيبنّ الذين ... ظلموا منكم خاصّة .. } [2] .
والراجح: ما ذهب إليه عامّة المفسّرين، واختاره الشيخ ـ رحمه الله ـ، بدلالة السياق والسنّة المطهّرة .. أمّا السياق، فإنّ السورة من بدايتها تحذّر المؤمنين من التنازع والاختلاف، وتحثّهم على طاعة الله ورسوله: {فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن ... كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1] ، ثمّ يستمرّ السياق في التأكيد على هذين الأمرين: {كما أخرجك ربّك من ... بيتك بالحقّ وإنّ ... فريقًا من ... المؤمنين لكارهون ... * يجادلونك في ... الحقّ بعد ما تبيّن ... .. } [الأنفال: 5، 6] ، {يأيّها الذين ... ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولّوا عنه وأنتم تسمعون ... } [الأنفال: 21] والآيات بعدها: {إذ يريكهم الله في ... منامك قليلا ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم ولتنازعتم في ... الأمر ولكنّ ... الله سلّم .. } [الأنفال: 43] ، {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .. } [الأنفال: 46] ، {وألّف بين قلوبهم .. } [الأنفال: 63] .. فالفتنة هنا هي التنازع والاختلاف، وترك طاعة الله ورسوله، وما يترتّب على ذلك، وقد ظهرت بوادر ذلك بين أصحاب رسول الله ـ صلّى الله
عليه وسلّم ـ لمّا همّوا أن يتنازعوا في الأنفال، حتى نزلت الآيات في ردّ الأمر إلى الله ورسوله، ثمّ حذّرهم الله من فتنة لا يقتصر ضررها على الظالمين خاصّة، بل يتعدّى إلى كلّ من شارك في هذه الفتنة بقول أو فعل، وإن لم يكن ظالمًا، وإلى الساكتين عنها، غيرِ المنكرين لها والناهين عنها [3] ، وقد وقع ذلك
(1) ينظر: إيجاز البيان: 1/ 292.
(2) سيأتي الكلام عن هذه القراءة إن شاء الله ص 467.
(3) يقول الدكتور محمّد أمين المصري ـ رحمه الله ـ في كتابه (من هدي سورة الأنفال(الكويت: مكتبة دار الأرقم) : ص 280):"والذي أفهمه من هذا، أنّ الفتنة إذا عمّت في مجتمع، وطغت [يعني دون نكير] ، ثمّ استيقظ الناس للقضاء عليها، وجدوا الأمر قد خرج من أيديهم، وألفوا الخرق قد اتّسع على الرتق، وهنا تضيع حكمة الحكماء، ويذهب تدبير العقلاء، وتغلب على العقول الحيرة، وتستولي عليها الدهشة، ويصبح ذوو العقول وكأنّما عطّلت عقولهم، وإنّا لنجد هذه المعاني في كثير من المجتمعات الإسلاميّة الحاضرة".