لأصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعد وفاته في وقعة الجمل [1] ، حتّى رأوا أنّ هذه الآيات إنّما نزلت فيهم، كما قال الزبير بن العوّام ـ رضي الله عنه ـ:"نزلت هذه الآية: {واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ... ظلموا منكم خاصّة} ، وما نظنّنا أهلها، ونحن عنينا بها" [2] .
وأمّا تفسير الفتنة بالعذاب، فلا يصحّ، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ باين بينهما، كما في قوله تعالى: {فليحذر الذين ... يخالفون ... عن ... أمره أن ... تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] ، فجعل الفتنة قسيمًا للعذاب.
وأمّا ما ذهب إليه الرازي ومن وافقه، من أنّ الفتنة تعمّ الجميع بلا استثناء، فهو مخالف لنصوص الكتاب والسنّة، كقوله تعالى: {إنّ ... الله لا يظلم مثقال ذرّة .. } [النساء: 40] ، وقوله: {ولا يظلم ربّك أحدًا} [الكهف: 49] ، وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى ... } [الإسراء: 15] ، وقوله في الحديث القدسيّ:"إنّي حرّمت الظلم على نفسي .." [3] .
وقول الرازي: إنّ ذلك يَحْسُن منه تعالى بحكم المالكيّة .. الخ، مردود لما سبق من تحريمه تعالى
الظلم على نفسه بأيّ حال من الأحوال، ولو كان هو المالك للعباد.
وأمّا إنزال الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداءً، فليس ذلك من الظلم أصلًا، فإنّ الظلم شيء طارئ، وما ينزله الله تعالى بعبده ابتداءً خلاف ذلك، فلا يعدّ من الظلم.
(1) وقعة الجمل كانت بين عائشة وطلحة والزبير ـ رضي الله عنهم ـ من جانب، وعليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ من الجانب الآخر. وسببها: مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ، والمطالبة بدمه. (ينظر: الكامل في التاريخ: 3/ 105) .
(2) أخرج ذلك ابن جرير بسنده إلى الزبير. (ينظر: جامع البيان: 6/ 216) .
(3) أخرجه بطوله: مسلم في كتاب البرّ والصلة، باب تحريم الظلم: ص 658، برقم: 2577.