وكذا قوله تعالى بعدها: {يأيّها النبيّ ... حرّض المؤمنين على ... القتال .. } ، فإنّ فيه دليلًا على أنّ الحسب لله وحده، إذ لو كان للمؤمنين منه شيء، لما احتاجوا إلى التحريض، كيف وقد قال الله في الآية التي بعدها: {الن ... خفّف الله عنكم وعلم أنّ ... فيكم ضعفًا .. } [الأنفال: 66] ، فمن كان فيه ضعف، كيف يكون كافيًا لغيره؟!، لا سيّما إذا كان غيره أعلى منه وأقوى.
وأمّا ما احتجّوا به من سبب النزول، فيجاب عنه من وجوه:
-أحدها: ضعف الآثار الواردة في ذلك، ولذا أعرض المحقّقون وأئمّة التفسير عن ذكرها [1] .
-الثاني: أنّ السورة مدنيّة، والحادثة التي ذكروها في سبب النزول كانت في أوائل العهد المكيّ. والقول بأنّ الآية مكّيّة يحتاج إلى دليل صحيح، ولا دليل.
-الثالث: أنّه على فرض صحّة هذه الآثار، فإنّها لا تدلّ على المعنى الذي ذكروه، بل تدلّ على المعنى الصحيح، وهو أنّ الله كاف نبيّه، وكاف من اتّبعه من المؤمنين الخائفين المضطهدين، ومنهم عمر ـ رضي الله عنه ـ فإنّه وإن عزّ الدين بإسلامه، إلا أنّ أذى المشركين لم ينقطع، ممّا حمل النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأتباعه من المؤمنين إلى الهجرة، ومفارقة الأوطان.
وأمّا قولهم: إنّ الكفاية ها هنا من العموم المشترك، وأنّها كقوله تعالى: {إنّ ... الله وملئكته يصلّون ... على ... النبيّ ... .. } ، فغير مسلّم أيضًا، فإنّ المشترك: ما اتّحد فيه اللفظ، واختلف فيه المعنى [2] ، كلفظ العين، فإنّه يطلق على العين الباصرة، وعين الماء. وليس لفظ الحسب كذلك، بخلاف لفظ الصلاة في
(1) كالطبريّ، وابن كثير، والوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول.
(2) ينظر: التحبير في علم التفسير للسيوطي (الرياض: دار العلوم) : ص 214.