فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 821

قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليّ يوم النحر في أهل منى ببراءة، وألا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان [1] .

ففي هذا الحديث دليل على أنّ آيات البراءة من المشركين إنّما نزلت بعد خروج أبي بكر في شهر ذي القعدة، وأنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعث بها عليًّا بعد خروج أبي بكر، ولذا ذكر الجصّاص ـ رحمه الله ـ أنّ قول الزهريّ ـ رحمه الله ـ وهم منه [2] .

وعلى فرض نزولها في شوّال ـ كما قال الزهريّ ـ فإنّ إبلاغها للناس إنّما كان يوم النحر، كما دلّ عليه حديث أبي هريرة السابق، وبعيد أن يضرب الشارع مدّة للمشركين، ثمّ لا يخبرهم بهذه المدّة إلا بعد مضيّ شهر منها أو أكثر، فالشارع منزّه عن مثل هذا.

قال الطبريّ ـ رحمه الله ـ:"فإن قال قائل: وما الدليل على أنّ ابتداء التأجيل كان يوم الحجّ الأكبر، دون أن يكون من شوّال، على ما قاله قائلو ذلك؟"

قيل له: إنّ قائلي ذلك زعموا أن ّالتأجيل كان من وقت نزول (براءة) ، وذلك غير جائز أن يكون صحيحًا، لأنّ المجعول له أجل السياحة إلى وقت محدود، إذا لم يعلم ما جُعل له، ولا سيّما مع عهد له قد تقدّم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك، لأنّه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جُعل له، وما عليه بعد انقضائه؛ فهو كهيئته قبل الذي جُعل له من الأجل. ومعلوم أنّ القوم لم يعلموا بما جُعل لهم من ذلك، إلا حين نودي فيهم بالموسم، وإذا كان ذلك كذلك؛ صحّ أن ابتداءه ما قلنا، وانقضاءه كان ما وصفنا" [3] ."

وقد زعم بعض المتأخّرين أنّ حَجّة أبي بكر الصّدّيق ـ رضي الله عنه ـ كانت في ذي الحِجّة، وحُجّته أنّ تحريم النسيء نودي به في تلك الحجّة، فلم يكن

(1) أخرجه البخاريّ في كتاب التفسير، باب قوله: {فسيحوا في ... الأرض أربعة أشهر واعلموا أنّكم غير معجزي ... الله .. } : 4/ 1709، برقم: 4378. والمقصود ببراءة: بعضها، قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ في الفتح (8/ 319) :"وفي قوله (يؤذّن ببراءة) تَجَوّز، لأنّه أُمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى: (ولو كره المشركون) ". وقد جاء التصريح بذلك فيما رواه الطبريّ في تفسيره (6/ 304) ، عن محمّد بن كعب وغيره، قال: بعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبا بكر أميرًا على الحجّ سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين أو أربعين آية من براءة ..

(2) ينظر: أحكام القرآن: 3/ 79.

(3) جامع البيان: 6/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت