وتارة في صفر، حتّى يعود الحجّ إلى ذي الحجّة، حتّى بعث الله المقيم لملّة إبراهيم، فوافى حجّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حجّة الوداع، وقد استدار الزمان كما كان، ووقعت حجّته في ذي الحجّة، فقال في خطبته المشهورة في الصحيحين، وغيرهما:"إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" [1] . وكان قبل ذلك الحجّ لا يقع في ذي الحجّة، حتّى حجة أبي بكر سنة تسع كان في ذي القعدة، وهذا من أسباب تأخير النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الحجّ، وأنزل الله تعالى: {إنّ ... عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في ... كتب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين ... القيّم .. } [التوبة: 36] ، فأخبر الله أنّ هذا هو الدين القيّم، ليبيّن أنّ ما سواه من أمر النسيء وغيره من عادات الأمم، ليس قيّمًا، لما يدخله من الانحراف والاضطراب" [2] ."
واحتجّ الشيخ بما يلي:
1.ما أخرجه البيهقي، عن مجاهد في قوله: {إنّما النسي ... ء زيادة في ... الكفر .. } ، قال: حجّوا في ذي الحجّة في المحرّم عامين، ثمّ حجّوا في صفر عامين، فكانوا يحجّون في كلّ سنة، في كلّ شهر عامين، حتّى وافقت حجّة أبي بكر الآخِر من العامين في ذي القعدة، قبل حجّة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بسنة، ثمّ حجّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من قابل في ذي الحجّة، فذلك حين يقول النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض .." [3] .
2.ما أخرجه عبد الرزّاق، عن مجاهد أيضًا، في الآية نفسها، قال: فرض الله الحجّ في ذي الحجّة، وكان المشركون يسمّون الأشهر: ذا الحجّة،
(1) أخرجه البخاريّ في كتاب التفسير، باب قوله: {إنّ ... عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا .. } : 4/ 1712، برقم: 1679.
(2) مجموع الفتاوى: 25/ 140، 141.
(3) أخرجه البيهقي في سننه: 5/ 166، برقم: 9557.