قال الطبريّ ـ رحمه الله ـ:"والنسيء مصدر، من قول القائل: نسأت في أيّامك، ونسأ الله في أجلك. أي: زاد الله في أيّام عمرك، ومدّة حياتك، حتّى تبقى فيه حيًّا. وكلّ زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث في تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه: (نسيء) . ولذلك قيل للّبن إذا كُثّر بالماء: (نسيء) ، وقيل للمرأة الحبلى: (نسوء) ، و (نسئت المرأة) ، لزيادة الولد فيها. وقيل: (نسأت الناقة، وأنسأتها) ، إذا زجرتها ليزداد سيرها" [1] .
ولا مانع من أن يكون لفظ النسيء في الآية دالًا على المعنيين، وهذا من بلاغة القرآن، ودقّة ألفاظه، ولا غرو، فهو كلام الله ـ عزّ وجلّ ـ. وعلى القول الثاني لا يكون هناك زيادة.
-الثاني: أنّ الله ـ عزّ وجلّّ ـ قال قبل هذه الآية: إنّ ... عدّة الشهور عند الله اثنا
عشر شهرًا في ... كتب الله .. ، وذلك تمهيدًا لإنكار ما ابتدعته العرب من زيادة شهر في العام، باسم النسيء، ولو لم تكن هذه الزيادة، لما كان لتقرير هذا الأمر من فائدة تذكر.
-الثالث: أنّ الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أخبر في حجّته أنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض. وعلى القول الثاني، ليس ثمّة استدارة، فلا يكون لقول الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ معنى!.
-الرابع: أنّه قد جاء عن بعض السلف التصريح بالزيادة، فقد أخرج الطبريّ بسنده، عن أبي مالك [2] قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا [3] .
(1) جامع البيان: 6/ 368.
(2) هو أبو مالك غزوان الغفاري، تابعي مشهور بكنيته. روى عن عمار بن ياسر، وابن عباس. وروى عنه: سلمة بن كهيل، وإسماعيل السدّي. (ينظر: الكنى والأسماء: 1/ 752، والثقات: 5/ 293) .
(3) جامع البيان: 6/ 371.