واختار القول الثاني: الطبريّ [1] ، والنحّاس [2] ، وابن الجوزيّ [3] ، والقرطبيّ [4] ، والنسفيّ [5] . وهو مرويّ عن سفيان بن عيينة، والحسن، ومجاهد، وابن زيد [6] .
وحجّتهم: أنّ الأغلب في كلام العرب في قولهم: (سمّاع) أن يصفوا به من يسمع الكلام لغيره، أمّا السماع بمعنى القبول، فلا يكاد يقال فيه إلاّ سامع ومطيع [7] .
واقتصر كثير من المفسّرين على ذكر القولين دون اختيار أو ترجيح [8] ، وظاهر صنيعهم جواز احتمال القولين، لكن لم أر من صرّح منهم بذلك [9] .
والراجح: هو القول الأوّل، وهو الذي رجّحه الشيخ ـ رحمه الله ـ، وذلك لدلالة السياق عليه، فإنّ سياق الآيات كلّه في المنافقين، وفضح أحوالهم وخباياهم، فلمّا قال: { .. وفيكم سمّعون ... لهم} ، دلّ على أنّ هؤلاء السمّاعين ليسوا منهم، إذ هم ليسوا بحاجة إلى من يسمع لهم، فهم مندسّون في الصفّ المسلم، يسمعون بأنفسهم ما يجري فيه.
وأمّا قولهم: إنّ السماع بمعنى القبول لا يكاد يقال فيه إلاّ سامع، لا سمّاع .. فيجاب عنه من وجهين:
(1) ينظر: جامع البيان: 6/ 384.
(2) ينظر: معاني القرآن: 2/ 215، 216.
(3) ينظر: تذكرة الأريب: 1/ 216.
(4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 8/ 157.
(5) ينظر: مدارك التنزيل: 2/ 92.
(6) ينظر: جامع البيان: 6/ 384، والمحرّر الوجيز: 6/ 514.
(7) ينظر: جامع البيان: 6/ 384، 385.
(8) ينظر على سبيل المثال: أحكام القرآن للجصّاص: 3/ 120، ومعالم التنزيل: 4/ 56، والكشّاف: 2/ 155، والمحرّر الوجيز: 6/ 514، وأنوار التنزيل: 3/ 149، والبحر المحيط: 5/ 51، ومن المتأخّرين: أبو السعود: 4/ 71.
(9) إلاّ ابن عاشور من المتأخّرين، فإنّه صرّح بذلك، فقال:"وجيء بحرف (في) من قوله: {وفيكم سمّعون ... لهم} الدالّ على الظرفية، دون حرف (من) فلم يقل: (ومنكم سمّاعون لهم) ، أو (ومنهم سمّاعون) لئلاّ يتوهّم تخصيص السمّاعين بجماعة من أحد الفريقين دون الآخر، لأنّ المقصود أنّ السمّاعين لهم فريقان؛ فريق من المؤمنين وفريق من المنافقين أنفسهم، مبثوثون بين المؤمنين لإلقاء الأراجيف والفتنة، وهو الأكثر، فكان اجتلاب حرف (في) إيفاء بحقّ هذا الإيجاز البديع، ولأنّ ذلك هو الملائم لمحملي لفظ (سمّاعون) ، فقد حصلت به فائدتان" (التحرير والتنوير: 10/ 113، 114) . وهو كلام جيّد، لكن يعكّر عليه قول الله تعالى في مطلع الآية: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خبالًا ولأوضعوا خللكم يبغونكم الفتنة .. } فالضمائر في قوله (فيكم) ، (زادوكم) ، (خلالكم) ، (يبغونكم) كلّها تعود إلى المؤمنين، فكذلك الضمير في قوله (وفيكم سمّاعون) ، فهو جارٍ على نسق ما قبله، والله تعالى أعلم.