فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 821

ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأصحابه. فنزلت الآية [1] .

وأمّا الآية الثانية، فقد نزلت في الجلاس بن سويد [2] ، وكان قد قال ـ لمّا رأى المسلمين يتجهّزون للغزو ـ:"لئن كان محمّد صادقًا، لنحن شرّ من الحمير". فرُفع أمره إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فحلف بالله ما قال، فنزلت فيه هذه الآية، ثمّ تاب، وحسنت توبته [3] .

ففي هاتين القصّتين، ثبت كفر أولئك المنافقين بالوحي، ومع ذلك لم يقتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أحدًا منهم، ولم يكن العاصم لهم الكذب والإنكار ـ وقد فضحهم الله بأعيانهم ـ وإنّما كان العاصم لهم ما صرّح به نبيّ الهدى ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو

أن"لا يتحدّث الناس أنّ محمّدًا يقتل أصحابه" [4] .

وقيل: إنّما كفّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن قتل المنافقين، ليبيّن لأمّته أنّ الحاكم لا يحكم بعلمه [5] . وفيه نظر، لأنّ ما علمه النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بالوحي، ليس كالذي علمه بغيره.

وقول الشيخ ـ رحمه الله ـ: إنّ الكذب والإنكار يعصم دماءهم، ما لم تقم بيّنة بخلافه، ولذلك لم يقتلهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ..

أقول: أيّ بيّنة أعظم من نزول الوحي بذلك؟.

(1) أخرج الحديث ابن أبي حاتم في تفسيره: 6/ 1829، برقم: 10047، والطبريّ في تفسيره: 6/ 409. وحسّن إسناده الوادعيّ في الصحيح المسند من أسباب النزول: ص 77. وينظر: الدرّ النضيد في تخريج كتاب التوحيد لصالح العصيمي (الرياض: دار ابن خزيمة) : ص 148.

(2) هو الجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاريّ، كان من المنافقين ثمّ تاب، وحسنت توبته، وكان على أمّ عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، وهو الذي سمع قوله المذكور، وبلّغه للنبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فنزل فيه قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا .. } ، فكان ذلك سببًا لتوبته، فلم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير، فكان ذلك ممّا عرفت به توبته. (ينظر: الإصابة مع الاستيعاب: 1/ 243، 253) .

(3) أخرج القصّة ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ: 6/ 1843، برقم: 10402 وينظر: الإصابة: 1/ 243. وقد أورد الحافظ هذه القصّة ولم يتعقّبها بشيء، ممّا يدلّ على قبولها عنده.

(4) الحديث أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب ما يُنهى من دعوى الجاهليّة: 3/ 1296، برقم: 3330، ومسلم في كتاب البرّ والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا: ص 659، برقم: 2584. واللفظ لمسلم.

(5) ينظر: تفسير القرآن العظيم: 1/ 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت