فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 821

وأمّا ما ذهب إليه الشيخ من قتل المنافقين دون استتابة إذا أظهروا ما في قلوبهم، فهو مردود من وجوه:

-أحدها: أنّ النفاق أمر خفيّ لا يمكن الاطّلاع عليه، حتّى إنّ بعضه قد خفي في عصر النبوّة والوحي لحكمة أرادها الله، كما قال تعالى لنبيّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن بعض المنافقين: { .. لاتعلمهم نحن ... نعلمهم .. } [التوبة:101] ، فكيف يمكن الجزم بعد انقطاع الوحي، بأنّ فلانًا منافق، وأنّه أظهر ما في قلبه من الكفر.

-الثاني: أنّ ذلك مخالف للنصوص العامّة المطلقة، الدالّة على قبول توبة التائب في الظاهر، مهما كانت ذنوبه، وليس لنا إلاّ الظاهر من أمره.

-الثالث: أنّ المنافق إذا أظهر ما في قلبه من الكفر، لم يكن حينئذٍ منافقًا، وإنّما يعامل معاملة المرتدّ، فيستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلاّ قُتل مرتدًّا.

أمّا ما استدلّ به الشيخ ـ رحمه الله ـ فهو مبنيّ على مشروعية قتل المنافق في المجتمع المسلم إذا أظهر الكفر ـ ولو أظهر بعد ذلك التوبة ـ وأنّ العاصم لدمه: الكذب والإنكار .. وفيما ذكره نظر، إذ قد ثبت كفر بعض المنافقين في عصره ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ونزل الوحي بذلك، كما في قوله تعالى: {ولئن ... سألتهم ليقولن ّ ... إنّما كنّا نخوض ونلعب قل أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزؤن ... * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم .. } [التوبة: 65، 57] ، وقوله: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم .. } [التوبة: 74] ، فالآية الأولى نزلت في جماعة من المنافقين، ممّن خرجوا مع المسلمين في غزوة تبوك، كانوا في مجلس من مجالسهم، فقال أحدهم: ما رأيت مثل قرّائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت