والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من عدم جواز قضاء دين الميّت من الزكاة، لما ذكروه من عدم أهليّته لقبولها. لكن ما ذكره بعضهم من الإجماع على ذلك، ففيه نظر، لوجود المخالف [1] .
ويجاب عمّا ذكره أصحاب القول الثاني بما يلي:
1.قوله تعالى: { .. والغارمين .. } ، ولم يقل: (وللغارمين) ، وإن كان يدلّ على عدم وجوب التمليك؛ إلاّ أنّه لا يدلّ على وفاء دَين الميّت من الزكاة، وإنّما غاية ما يدلّ عليه: جواز إعطاء الزكاة للدائن دون المدين وهو الغارم، لا سيّما إذا خشي من تصرّفه بها في غير أداء دينه.
2.أمّا احتجاجهم بالحديث، فلا حجّة لهم فيه، لأنّ قوله:"فعليّ قضاؤه"يدلّ على أنّ القضاء حقّ أوجبه النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على نفسه، فيكون من نصيبه من الفيء والغنيمة، لا من الزكاة المفروضة فيما يظهر. والله تعالى أعلم.
(1) قال شيخنا العلاّمة محمّد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ:"والصحيح أنّه لا يُقضى دين الميّت منها، وقد حكاه ابن عبد البرّ إجماعًا، لكنّ المسألة ليست إجماعًا ففيها خلاف، إلاّ أنّه في نظرنا خلاف ضعيف، فلا يُقضى دين الميّت لأمور ثلاثة:"
-... أوّلًا: أنّ الظاهر من إعطاء الغارم أن يزال عنه ذلّ الدَّين، لأنّ الدَّين ذلّ، كما يقال: (الدَّين همّ في الليل، وذلّ في النهار) .
-... ثانيًا: أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كان لا يقضي ديون الأموات من الزكاة، فكان يؤتى بالميّت وعليه دَين، فيسأل: هل ترك وفاءً؟، فإن لم يترك، لم يصلّ عليه. وإن قالوا: له وفاء. صلّى عليه. فلمّا فتح الله عليه، وكثر عنده المال، صار يقضي الدَّين بما فتح الله عليه عن الأحياء. ولو كان قضاء الدَّين عن الميّت من الزكاة جائزًا؛ لفعله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.
-... ثالثًا: أنّه لو فتح هذا الباب، لعطّل قضاء ديون كثير من الأحياء، لأنّ العادة أنّ الناس يعطفون على الميّت أكثر ممّا يعطفون على الحيّ، والأحياء أحقّ بالوفاء من الأموات. ... (الشرح الممتع: 6/ 235، 236. =
وينظر: توجيه الراغبين إلى اختيارات الشيخ ابن عثيمين جمع وإعداد: محمّد الذياب (عمّان: دار الجوهري) : ص 222.
وقول الشيخ ـ رحمه الله ـ:"فلمّا فتح الله عليه، وكثر عنده المال، صار يقضي الدَّين بما فتح الله عليه عن الأحياء"فيه نظر، فإنّ نصّ الحديث يدلّ صراحة على قضائه الدَّين عن الأموات، لكن يحمل ذلك على القضاء من غير أموال الزكوات، كأموال الصدقات والفيء والغنائم. (ينظر: فتح الباري: 4/ 478) .