من الكفر، كان تركًا له في الظاهر، ولا يعلم ما يخالفه. أمّا المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركًا للنفاق، لأنّ ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق"."
فحجّة الشيخ أنّ المنافقين"لو قُبلتْ علانيتهم دائمًا مع ثبوت ضدّها، لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل، فإنّ المنافق إذا ثبت عنه أنّه أظهر الكفر؛ فلو كان إظهار الإسلام حينئذٍ ينفعه، لم يمكن جهاده" [1] .
كما احتجّ ببعض الآثار عن الصحابة والتابعين، منها:
1.ما روي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في هذه الآية:"بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه".
2.ما روي عن الحسن وقتادة أنّهما قالا:"بإقامة الحدود عليهم"، قال الحسن:"وأكثر ما كانت الحدود يومئذٍ تصيب المنافقين" [2] .
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ فيما ذهب إليه من وجوب جهاد المنافقين باليد أوّلًا: الطبريّ [3] ، والزجّاج [4] ، والبيضاويّ [5] . إلاّ أنّ الطبريّ قيّد ذلك بإقامتهم على إظهار ما أظهروه من الكفر.
قال ـ رحمه الله ـ:"فإن قال قائل: فكيف تركهم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟!."
قيل: إنّ الله ـ تعالى ذكره ـ إنّما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثمّ أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأمّا من إذا اطُّلع عليه منهم أنّه تكلّم بكلمة الكفر وأُخذ بها، أنكرها، ورجع عنها، وقال: (إنّي مسلم) ؛ فإنّ حكم الله في كلّ من أظهر الإسلام بلسانه أن يحقن بذلك له دمه وماله، وإن كان معتقدًا غير ذلك. وتوكّل هو ـ جلّ ثناؤه ـ بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن
(1) الصارم المسلول: ص 347، 348.
(2) ينظر: الصارم المسول: 347.
(3) ينظر: جامع البيان: 6/ 420.
(4) ينظر: معاني القرآن: 2/ 461.
(5) ينظر: أنوار التنزيل: 3/ 158. واختاره من المتأخّرين: ابن كثير: 2/ 371، والبقاعيّ: 3/ 360، وأبو السعود: 4/ 84، والسعديّ: 3/ 266.