فهرس الكتاب
السرائر، فلذلك كان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مع علمه بهم، وإطلاع الله إيّاه على ضمائرهم، واعتقاد صدورهم، كان يقرّهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله، لأنّ أحدهم كان إذا اطلع عليه أنّه قد قال قولًا كفر فيه بالله ثمّ أخذ به، أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يأخذه إلاّ بما ظهر له من قوله عند حضوره إيّاه، وعزمه على إمضاء الحكم فيه دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يُبح الله لأحد الأخذ به في الحكم، وتولّى الأخذ به هو دون خلقه" [1] ."
وهذا الذي ذكره الطبريّ مخالف لما ذهب إليه الشيخ من قتل المنافق المظهر للكفر، ولو أظهر بعد ذلك التوبة والرجوع.
واختار كثير من المفسّرين أنّ جهاد المنافقين إنّما يكون باللسان والحجّة والبيان. وممّن اختار ذلك: الواحديّ [2] ، والزمخشريّ [3] ، وابن العربيّ [4] ، وابن عطيّة [5] ، وابن الجوزيّ [6] ، والنسفيّ [7] . وهو المرويّ عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ [8] .
وحجّتهم: أنّ المنافق إنّما سمي منافقًا لأنّه يظهر خلاف ما يبطن، فإذا أظهر ما يبطنه من الكفر وأصرّ عليه، خرج عن مسمّى النفاق، وصار حكمه حكم الكافر، والآية إنّما أمرت بجهاد المنافقين، فتعيّن كون ذلك باللسان لا بالسنان.
قال ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ بعد استعراضه الأقوال المرويّة عن السلف:"قال علماء الإسلام ما تقدّم، فأشكل ذلك واستبهم. ولا أدري صحّة هذه الأقوال في السند. أمّا المعنى، فإنّ من المعلوم في الشريعة أنّ النبيّ ـ صلّى الله"
(1) جامع البيان: 6/ 420.
(2) ينظر: الوجيز: 1/ 472.
(3) ينظر: الكشّاف: 2/ 162.
(4) ينظر: أحكام القرآن: 2/ 977.
(5) ينظر: المحرّر الوجيز: 6/ 567.
(6) ينظر: تذكرة الأريب: 1/ 221.
(7) ينظر: مدارك التنزيل: 2/ 99. ومن المتأخّرين: السيوطي فيالجلالين: 1/ 253، والشوكانيّ: 2/ 436، والألوسيّ: 10/ 137.
(8) ينظر: جامع البيان: 6/ 420.