عليه وسلّم ـ كان يجاهد الكفّار بالسيف على اختلاف أنواعهم حسب ما تقدّم بيانه. وأمّا المنافقون فكان مع علمه بهم، يعرض عنهم، ويكتفي بظاهر إسلامهم، ويسمع أخبارهم فيلغيها بالبقاء عليهم، وانتظار الفيئة إلى الحقّ بهم، وإبقاء على قومهم لئلاّ تثور نفوسهم عند قتلهم، وحذرًا من سوء الشنعة في أن يتحدّث الناس أنّ محمّدًا يقتل أصحابه. فكان لمجموع هذه الأمور يقبل ظاهر إيمانهم، وباديء صلاتهم وغزوهم، ويكل سرائرهم إلى ربّهم. وتارة كان يبسط لهم وجهه الكريم، وأخرى كان يظهر التغيير عليهم.
وأمّا إقامة الحجّة باللسان، فكانت دائمة. وأمّا قول من قال: إنّ جهاد المنافقين بإقامة الحدود فيهم لأنّ أكثر إصابة الحدود كانت عندهم؛ فإنّه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنّما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنًا، لا بما تتلبّس به الجوارح ظاهرًا. وأخبار المحدودين يشهد مساقها أنّهم لم يكونوا منافقين" [1] ."
وهذا القول هو الراجح، وقد سبق ذكر الأدلّة عليه عند قوله تعالى: {أو بأيدينا} [التوبة: 52] [2] .
أمّا ما احتجّ به الشيخ في هذه الآية، فيجاب عنه بما يلي:
1.قوله: إنّ جهاد المنافقين إنّما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة .. غير مسلّم. وذلك أنّ طبيعة المنافقين تقوم على التمسّح بالإسلام، وإظهار طلب الحقّ والرغبة في الإصلاح، وليّ أعناق النصوص، والتلبيس على العامّة. وهم في غاية الحذر من إظهار مكنونات أنفسهم، لذا كانوا في زمن تنزّل الوحي كما قال تعالى: {يحذر المنفقون ... أن ... تنزّل عليهم سورة تنبّئهم بما في ... قلوبهم .. } [التوبة: 64] ، فلم يكن من سبيل إلى جهادهم إلاّ بكشف زيف ما يزخرفونه من القول، وذلك لا يكون إلاّ بالحجّة الواضحة من نصوص الوحيين التي تلجمهم
(1) أحكام القرآن: 2/ 977، 978.
(2) ينظر: ص 524.