يكون الهمّ الذي همّ به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلّف على دفعه [1] .
وهذا القول هو أعدل الأقوال الثلاثة، وهو الأليق بحال يوسف ـ عليه السلام ـ، والأوفق لسياق الآية، فإنّ الله أثبت الهمّ من يوسف، لكنّه همّ عارض تقتضيه الطبيعة البشريّة، ويؤجر المسلم على دفعه.
وأمّا ما روي عن بعض السلف من حلّ السراويل، وجلوسه منها مجلس الخاتن .. فإنّ ذلك لم ينقل بإسناد صحيح عن المعصوم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وهو متلقّى عن أهل الكتاب كما ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ، وهو مخالف للطبيعة والمنطق، فإنّ من المعلوم طبعًا أنّ المواقعة الاختياريّة من الطرفين لا تكون، بل لا تطيب إلا بعد مقدّمات من لمس وتقبيل ومعانقة ونحو ذلك، ومحال أن يكون شيء من ذلك قد وقع من يوسف ـ عليه السلام ـ وقد برّأه الله عزّ وجلّ من ذلك بقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنّه من ... عبادنا المخلصين} فالسوء هو الشهوة ومقدّمات الفاحشة في قول بعض المفسّرين، والفحشاء الزنى [2] ، فكيف يقال إنّه جلس منها مجلس الخاتن؟!.
وأمّا الذين قالوا إنّ الهمّ لم يقع من يوسف أصلًا، وجعلوا قوله تعالى: {وهمّ بها لولا أن ... رءا برهن ... ربّه} مثل قوله {إن ... كادت لتبدي ... به لولا أن ... ربطنا على ... قلبها} ، فذلك غير مسلّم، ففي الآية الثانية جاء الفعل مضارعًا مسبوقًا بـ (كاد) ، بخلاف الآية الأولى؛ فإنّ الفعل جاء فيها ماضيًا مسبوقًا بـ (قد) التي تفيد تحقّق الفعل. ومع ذلك فإنّ قوله تعالى (إن كادت لتبدي به) يدلّ على أنّها قد همّت بالإبداء، لكنّها لم تفعل، بسبب ربط الله على قلبها، فالممتنع هو الإبداء، وليس الهمّ الذي يدلّ عليه لفظ (كاد) .
(1) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 9/ 168.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 9/ 170.