وهذا هو الراجح، فإنّ المتأمّل في هذه الآية يجد أنّها صيغت بألفاظ تحتمل المعنيين جميعًا، ومثل هذا كثير في القرآن، وهو من أسرار بلاغته وإعجازه، فإنّ النسيان حاصل منهما جميعًا، ولو كان من الناجي وحده لقال: فأنساه الشيطان ذكر يوسف لربّه. ولو كان من يوسف وحده لقال: فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربّه. فلمّا جاء بهذه الصيغة؛ احتمل الأمرين جميعًا، ولكلّ منهما دليل من السياق، فالأوّل يدلّ عليه قوله تعالى بعد ذلك: {وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمّة .. } . والثاني يدلّ عليه قوله تعالى في الآية نفسها: .. فلبث في ... السجن ... بضع
سنين.
وفي هذا جواب عن قول الشيخ: إنّ الضمير يعود إلى القريب .. فإنّ الضمير في قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربّه) إن كان يعود إلى القريب وهو قوله: (اذكرني عند ربّك) ؛ فإنّ قوله: (فلبث في السجن بضع سنين) يعود إلى القريب وهو قوله: (فأنساه الشيطان ذكر ربّه) ، وهذا خلاف ما ذهب إليه الشيخ، فدلّ ذلك على أنّ الآية محتملة للمعنيين جميعًا.
وأمّا قول الشيخ: إنّ يوسف لم ينس ذكر ربّه .. فيجاب عنه بأنّ مداومة الذكر لا تنفي حصول النسيان في وقت من الأوقات، وقد وقع ذلك لنبيّنا ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لمّا سأله المشركون ـ بإيعاز من اليهود ـ عن مسائل ليختبروه بها، فقال:"أخبركم غدًا .."ونسي أن يقول إن شاء الله، فعاتبه الله على ذلك بقوله: ولا تقولنّ ... لشاي ... ءٍ إنّي ... فاعل ذلك غدًا * إلا أن ... يشاء الله واذكر ربّك إذا