وقد ذكر ـ رحمه الله ـ الأدلّة على صحّة هذه القراءة، والجواب عن الإشكال الذي أوردته عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
قال ـ رحمه الله ـ:"في قوله تعالى: {حتّى إذا استيئس الرسل وظنّوا أنّهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا .. } الآية: قراءتان في هذه الآية: بالتخفيف، والتثقيل. وكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقرأ بالتثقيل، وتنكر التخفيف، كما في الصحيح عن الزهريّ قال: أخبرني عروة [1] ، عن عائشة قال لها ـ وهو يسألها عن قوله {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} مخفّفة ـ قالت: (معاذ الله! لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربّها) . قلت: فما هذا النصر؟ حتّى إذا استيأس الرسل بمن كذّبها من قومهم، وظنّت الرسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك، لعمري لقد استيقنوا أنّ قومهم كذّبوهم، فما هو بالظنّ) [2] ."
(1) هو التابعيّ الجليل عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ. أحد الفقهاء السبع. حدّث عن أبيه بشيء يسير لصغره، وعن أمّه أسماء بنت أبي بكر، وعن خالته أمّ المؤمنين عائشة، ولازمها، وتفقّه بها، وعن جمع من الصحابة ـ رضي الله عنهم جميعًا ـ. وحدّث عنه بنوه. مات سنة ثلاث وتسعين. (ينظر: وفيّات الأعيان: 3/ 255، وسير أعلام النبلاء: 4/ 421) .
(2) أخرجه البخاريّ في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {لقد كان ... في ... يوسف وإخوته ءايت للسائلين} : 3/ 1239، برقم: 3209. وقد ذكره الشيخ بالمعنى مع اضطراب في اللفظ، ولعلّه بسبب الطباعة. ولفظ الحديث
في الصحيح: عن ابن شهاب ـ هو الزهريّ ـ قال: أخبرني عروة أنّه سأل عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: أرأيت قوله {حتّى ... إذا استيئس الرسل وظنّوا أنّهم قد كُذّبوا .. } أو كُذِبوا؟. قالت:"بل كذّبهم قومهم". فقلت: والله لقد استيقنوا أنّ قومهم كذّبوهم، وما هو بالظنّ. فقالت:"يا عريّه، لقد استيقنوا بذلك". قلت: فلعلّها: أو كذِبوا. قالت:"معاذ الله، لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربّها"وأمّا هذه الآية قالت:"هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربّهم وصدّقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتّى إذا استيأست ممّن كذّبهم من قومهم، وظنّوا أنّ أتباعهم كذّبوهم، جاءهم نصر الله".