-وإمّا محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والداعي، كما ذهب إلى ذلك مكيّ بن أبي طالب، فإنّه قال:" (ولكلّ قوم هاد) : هاد: ابتداء. وما قبله خبر، وهو (لكلّ قوم هاد) . واللام متعلّقة بالاستقرار أو الثبات. ويجوز أن يكون (هاد) عطف على (منذر) ، فتكون اللام متعلّقة بمنذر أو بهاد. تقديره: فإنّما أنت منذر وهاد لكلّ قوم" [1] .
وأرجح هذه الأقوال: القول الذي رجّحه الشيخ ومن وافقه، وذلك من وجوه:
-أحدها: أنّه هو الذي دلّ عليه سياق الآيات كما ذكر النحّاس عن جماعة من أهل اللغة.
-الثاني: أنّه هو الذي يدلّ عليه لفظ الآية وتركيبها، فإنّ من المعلوم أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كما أنّه هاد لكلّ قوم ـ على تفسيرهم ـ فإنّه أيضًا منذر لهم جميعًا. ولو كان هذا هو المعنى المراد، لقال: إنّما أنت لكلّ قوم منذر وهاد. فلمَ فرّق بين النذارة والهداية، وحكمهما واحد؟. وبهذا يجاب على من قال إنّ الهادي محمّد.
-الثالث: أنّ الله لمّا ذكر الأنبياء في القرآن جعل لكلّ نبيّ قومًا، فذكر قوم نوح، وقوم موسى، وقوم لوط، وقوم صالح، وقوم هود، وقوم محمّد، كما قال تعالى: {إذا قومك منه يصدّون ... } [الزخرف: 57] ، ولو كان المراد بالهادي محمّدًا أو غيره لقال: 0 إنّما أنت منذر ولقومك هاد). فلمّا ذكر (كلّ) ـ وهي من ألفاظ العموم ـ، ونكّر لفظ (قوم) و (هاد) ، دلّ على أنّ المراد عموم الأقوام السابقة واللاحقة، وتعدّد الأقوام والهداة. ويدلّ عليه الوجه:
-الرابع: أنّه قد ورد في القرآن نظير هذا المعنى، وهو قوله تعالى: {وإن ْ ... من ... أمّة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24]
(1) مشكل إعراب القرآن: 1/ 397.