وقد ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ القول الثاني أضعف الأقوال، وذلك من وجوه عدّة:
-أحدها: أنّه قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير، لا في هذه الآية ولا في نظيرها. وإنّما قاله الكسائيّ لمّا أشكل عليه معنى الآية الذي فهمه السلف، ودلّ عليه السياق والنظائر.
-الثاني: أنّ كلام العرب لا يدلّ على هذا القول، فإنّ الرجل وإن كان يقول لمن يتهدّده ويتوعّده: (عليّ طريقك) ؛ فإنّه لا يقول: إنّ طريقك مستقيم.
-الثالث: أنّ الوعيد إنّما يكون للمسيء، لا يكون للمخلصين. فكيف يكون قوله هذا إشارة إلى انقسام الناس إلى غاوٍ ومخلص، وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء؟. هؤلاء سلكوا الطريق المستقيم التي تدلّ على الله. وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة.
-الرابع: أنّه إنّما يقول لغيره في التهديد: (طريقك عليّ) من لا يقدر عليه في الحال، لكن ذاك يمرّ بنفسه عليه وهو متمكّن منه، كما كان أهل المدينة يتوعّدون أهل مكّة بأنّ طريقكم علينا، لمّا هدّدوهم بأنّكم آويتم محمّدًا وأصحابه .. ومثل هذا المعنى لا يقال في حقّ الله تعالى، فإنّ الله قادر على العباد حيث كانوا .. وإذا كانت العرب تقول ما ذكره: (طريقك في هذا الأمر على فلان) أي: إليه يصير أمرك، فهذا يطابق تفسير مجاهد وغيره من السلف [1] .
والراجح: ما اختاره الشيخ ـ رحمه الله ـ ومن وافقه.
وأمّا الأقوال الأخرى، فالقول الثاني أجاب عنه الشيخ بما يشفي ويكفي.
وأمّا القول الثالث الذي اختاره الزمخشريّ ومن تبعه، فهو ضعيف لأنّه لو كان المعنى ما ذكروه، لقال: هذا صراط عليّ استقامته، ونحو ذلك. فلمّا قال:
(1) مجموع الفتاوى: 15/ 204 - 206. (باختصار وتصرّف يسير) .