قال الطبريّ ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة:"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله ـ تعالى ذكره ـ أمر نبيّه أن يُعْلم قومًا عضهوا القرآن، أنّه لهم نذير من عقوبة تنزل بهم بعضههم إيّاه، مثل ما أنزل بالمقتسمين. وكان عضههم إيّاه: قذفهموه بالباطل، وقيلهم إنّه شعر وسحر وما أشبه ذلك. وإنّما قلنا إنّ ذلك أولى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده، وذلك قوله: {إنّا كفينك المستهزءين ... } [الحجر: 95] على صحّة ما قلنا، وأنّه إنّما عنى بقوله: {الذين ... جعلوا القرءان ... عضين} مشركي قومه، وإذ كان ذلك كذلك؛ فمعلوم أنّه لم يكن في مشركي قومه من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض، بل إنّما كان قومه في أمره على أحد معنيين: إمّا مؤمن بجميعه، وإمّا كافر بجميعه. وإذ كان ذلك كذلك؛ فالصحيح من القول في معنى قوله: {الذين ... جعلوا القرءان ... عضين} قول الذين زعموا أنّهم عضهوه فقال بعضهم: هو سحر. وقال بعضهم: هو شعر. وقال بعضهم: هو كهانة، وما أشبه ذلك من القول. أو عضّوه ففرّقوه بنحو ذلك من القول. وإذ كان ذلك معناه؛ احتمل قول (عضين) أن يكون جمع عِضة. واحتمل أن يكون جمع عُضو. لأنّ معنى التعضيه التفريق، كما تُعضّى الجزور والشاة، فتُفرّق أعضاء. والعَضْه: البَهْت، ورميه بالباطل من القول، فهما متقاربان في المعنى" [1] .
(1) جامع البيان: 7/ 547.