فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 821

من هم؟ فمنهم من قال: عيسى ابن مريم، وعزير، والملائكة. ومنهم من قال: الجنّ. ومنهم من قال: الملائكة.

ثمّ قال الشيخ رحمه الله ـ:"وهذه الأقوال كلّها حقّ، فإنّ الآية تعمّ كلّ من كان معبوده عابدًا لله، سواء كان من الملائكة، أو من الجنّ، أو من البشر. والسلف ـ رضي الله عنهم ـ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى لفظ الخبز؟، فيريه رغيفًا فيقول: هذا. فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه. وليس المراد بذلك تخصيص نوع دون نوع، مع شمول الآية للنوعين. فالآية خطاب لكلّ من دعا من دون الله مدعوًّا، وذلك المدعوّ يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه. وهذا موجود في الملائكة، والجنّ، والإنس".

ثمّ قال ـ رحمه الله ـ:"وقد اختار الطبريّ قول من فسّرها بالملائكة، أو بالجنّ، لأنّهم كانوا في زمن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يبتغون إلى ربّهم الوسيلة. بخلاف المسيح، والعزير، فإنّهما لم يكونا موجودين على عهده، فلم يكونا حينئذٍ ممّن يبتغي الوسيلة، إذ ابتغاء الوسيلة: العمل بطاعة الله، والتقرّب إليه بالصالح من الأعمال، فأمّا من كان لا سبيل له إلى العمل، فبم يبتغي إلى ربّه الوسيلة [1] . وهذا الذي قاله إن كان صوابًا، فهو أبلغ في النهي عن دعاء المسيح وعزير وغيرهما من الأموات، من الأنبياء والصالحين، فإنّه إذا كان الحيّ الذي يتقرّب إلى ربّه بالعمل لا يجوز دعاؤه، فدعاء الميّت الذي لا يتقرّب بالعمل أولى أن لا يجوز. وإن كانت الآية تعمّ هذا وهذا، فهي دالّة على ذلك، فدلالتها ثابتة على كلّ تقدير. والصحيح أنّها تعمّ هؤلاء وهؤلاء، وذلك أنّ أولئك كانوا في حياتهم يبتغون إلى ربّهم الوسيلة، وهو لم يقيّد ذلك بزمن النزول، بل أطلق، وإذا قال القائل: آدم ونوح وإبراهيم وموسى يعبدون الله ولا يشركون به، عُلم أنّ مراد هذا دينهم. والعرب تقول: مرض حتّى لا يرجونه، وشربت الإبل حتّى يجيء البعير فيقول برأسه كذا. ومنه قراءة من قرأ: وزلزلوا حتّى"

(1) ينظر: جامع البيان: 8/ 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت