المسألة الثانية: المراد بالذين أوتوا الكتاب:
اختلف أهل العلم بالمراد بالذين أوتوا الكتاب: هل المراد بهم الذين هم بعد نزول القرآن متديّنون بدين أهل الكتاب، أم المراد بهم: من كان آباؤهم قد دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل؟ فرجّح الشيخ الأوّل.
قال رحمه الله ـ بعد أن ذكر الخلاف في هذه المسألة ـ:".. وبالجملة، فالقول بأنّ أهل الكتاب المذكورين في القرآن هم من كان دخل جدّه في ذلك قبل النسخ والتبديل؛ قول ضعيف .." [1] .
الدراسة، والترجيح:
هذا القول الذي رجّحه الشيخ، هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة [2] ، ومالك [3] ، وأحمد في آخر قوليه [4] .
والقول الثاني، قول الشافعي [5] ، وطائفة من أصحاب أحمد [6] .
وقد ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ منشأ الخلاف في هذه المسألة سببه: تنازع عليّ وابن عبّاس ـ رضي الله عنهم ـ في ذبائح نصارى بني تغلب، فقال عليّ ـ رضي الله عنه ـ: لا تباح ذبائحهم، ولا نساؤهم، فإنّهم لم يتمسّكوا من النصرانية إلا بشرب الخمر .. ، وقال ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ: بل تباح، لقوله تعالى: {ومن ... يتولّهم منكم فإنّه منهم .. } [المائدة: 51] . [7]
وقد انفرد عليّ بهذا القول، وهو حجّة أصحاب القول الثاني؛ فإنّهم"ظنّوا أنّ عليًّا ـ"
(1) مجموع الفتاوى: 35/ 223.
(2) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (بيروت: دار الكتاب العربيّ) : 5/ 45.
(3) ينظر: لم أقف على قوله.
(4) ينظر: المغني: 10/ 596.
(5) ينظر: الأمّ (بيروت: دار الفكر) : 2/ 254.
(6) ينظر: المقنع لابن قدامة، مع الشرح الكبير، والإنصاف (طبع على نفقة خادم الحرمين الشريفين، تحقيق د. التركي) : 27/ 287 ـ 289.
(7) ينظر: مجموع الفتاوى: 35/ 219، 220.