-الثالث: أنّ قوله تعالى: { .. وقل للذين ... أوتوا الكتب والأمين ... ءأسلمتم .. } [آل عمران: 20] ، وقوله: {لم يكن ... الذين ... كفروا من ... أهل الكتب والمشركين .. } [البيّنة: 1] ،وأمثال ذلك، خطاب للموجودين في زمن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وإخبار عنهم. والمراد بالكتاب: الكتاب الذي بأيديهم، الذي طالته يد التحريف والتبديل، وجرى عليه النسخ. ليس المراد من كان متمسّكًا به قبل النسخ والتبديل، فإنّ أولئك لم يكونوا كفّارًا، ولم يخاطبوا بشرائع القرآن أصلًا، فإنّهم قد ماتوا قبل نزول القرآن. وإذا كان ذلك كذلك؛ فكلّ من تمسّك بهذا الكتاب المبدّل، فهو من أهل الكتاب، وهم كفّار تمسّكوا بكتاب مبدّل منسوخ، ومع ذلك، شرع الله إقرارهم بالجزية، وأحلّ طعامهم ونساءهم.
-الرابع: أنّ تعليق الشرف في الدين بمجرّد النسب، حكم من أحكام الجاهليّة، كما قال تعالى: { .. إنّ ... أكرمكم عند الله أتقكم .. } [الحجرات: 13] ، وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ. ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى .." [1] .. فإذا كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون أجداده لهم حسب شريف، فكيف يكون لكافر من أهل الكتاب فخر على آخر منهم بكون أجداده كانوا مؤمنين ..
-الخامس: أنّ أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لمّا فتحوا البلاد، كانوا يأكلون ذبائح أهل الكتاب دون تمييز بين طائفة وأخرى، ولم يعرف عن أحد من الصحابة التفريق بينهم بالأنساب، وإنّما تنازعوا في بني تغلب خاصّة لأمر يختصّ بهم كما سبق.
(1) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده:5/ 510، برقم: 23479 والطبراني في المعجم الكبير (الموصل: مكتبة العلوم والحكم) : 18/ 1، والبيهقيّ في شعب الإيمان (بيروت: دار الكتب العلميّة) : 4/ 289، برقم / 5137. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (بيروت: دار الريّان للتراث: 3/ 266) :"ورجاله رجال الصحيح".