وكذلك قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر .. } [الممتحنة: 10] ، فإنّه عام مخصوص بآية المائدة. ويدلّ على ذلك سبب النزول، فإنّها نزلت في خصوص النساء المشركات الوثنيّات بمكّة، ممّن أبين الهجرة، واخترن الشرك على الإسلام، فأمر الله المؤمنين بمفارقتهنّ، وأباح لهم نكاح المؤمنات المهاجرات، وإن كنّ ذوات أزواج من المشركين، فإنّ الإسلام قد فرّق بينهم.
-ثانيًا: قول ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:"لا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربّها عيسى .."هو ممّا انفرد به دون سائر الصحابة ـ رضي الله عنهم جميعًا ـ، وقد تزوّج كثير من الصحابة من نساء أهل الكتاب، كعثمان، وحذيفة، وطلحة، وغيرهم.
قال النحّاس ـ رحمه الله ـ بعد ذكره قول ابن عمر:"وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجّة، لأنّه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة، منهم: عثمان، وطلحة، وابن عبّاس، وجابر، وحذيفة. ومن التابعين: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، والشعبيّ، والضحّاك. وفقهاء الأمصار عليه" [1] .
وقد نقل ابن قدامة وغيره، عن ابن المنذر ـ رحمه الله ـ أنّه قال:"ولا يصحّ عن أحد من الأوائل أنّه حرّم ذلك .." [2] ، وما صحّ عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في ذلك، هو أقرب إلى التوقّف منه إلى التحريم، تورّعًا منه رضي الله عنه.
قال النحّاس ـ رحمه الله ـ:"وأمّا حديث ابن عمر، فلا حجّة فيه، لأنّ ابن عمر ـ رحمه الله ـ كان رجلًا متوقّفًا، فلمّا سمع الآيتين؛ في واحدة: التحليل، وفي الأخرى: التحريم، ولم يبلغه النسخ، توقّف. ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ، وإنّما تؤوّل عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل" [3] .
(1) الناسخ والمنسوخ: 1/ 197.
(2) ذكره ابن قدامة في المغني: 9/ 545.
(3) الناسخ والمنسوخ: 1/ 197.