فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 821

الوجه الثاني: أنّه ـ سبحانه ـ خاطب المؤمنين، لأنّ الناس كلّهم يكونون محدثين، فإنّ البول والغائط أمر معتاد لهم، وكلّ بني آدم محدث. والأصل فيهم:

الحدث الأصغر، فإنّ أحدهم من حين كان طفلًا، قد اعتاد ذلك، فلا يزال محدثًا. بخلاف الجنابة؛ فإنّها إنّما تعرض لهم عند البلوغ. والأصل فيهم: عدم الجنابة، كما أنّ الأصل فيهم: عدم الطهارة الصغرى. فلهذا قال: {إذا قمتم إلى ... الصلوة فاغسلوا وجوهكم .. } الآية، ثمّ قال: {وإن ... كنتم جنبًا فاطّهروا} ، فأمرهم بالطهارة الصغرى مطلقًا، لأنّ الأصل أنّهم كلّهم محدثون قبل أن يتوضئوا، ثمّ قال: {وإن ... كنتم جنبًا فاطّهروا} ، وليس منهم جنب إلا من أجنب، فلهذا فرّق ـ سبحانه ـ بين هذا وهذا.

الوجه الثالث: أن يقال: الآية اقتضت وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة، فدلّ على أن القيام هو السبب الموجب للوضوء. وأنّه إذا قام إلى الصلاة صار واجبًا حينئذ وجوبًا مضيّقًا، فإذا كان العبد قد توضّأ قبل ذلك، فقد أدّى هذا الواجب قبل تضيّقه، كما قال: { .. إذا نودي ... للصلوة من ... يوم الجمعة فاسعوا إلى ... ذكر الله .. } [الجمعة:9] ، فدلّ على أنّ النداء يوجب السعي إلى الجمعة، وحينئذ يتضيّق وقته، فلا يجوز أن يُشتغل عنه ببيع ولا غيره. فإذا سعى إليها قبل النداء، فقد سابق إلى الخيرات، وسعى قبل تضيّق الوقت، فهل يقول عاقل: إنّ عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى عند النداء؟، وكذلك الوضوء: إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال، أو للمغرب قبل غروب الشمس، أو للفجر قبل طلوعه، وهو إنّما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت، فمن قال: إنّ عليه أن يعيد الوضوء، فهو بمنزلة من يقول: إنّ عليه أن يعيد السعي إذا أتى الجمعة قبل النداء ..""

إلى أن قال ـ رحمه الله ـ:"فالآية محكمة ـ ولله الحمد ـ، وهي على"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت