فهرس الكتاب
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة، سببه الاختلاف في معنى الباء. فالقائلون بأنّ الفرض:
مسح بعض الرأس، قالوا: إنّ الباء للتبعيض، بدليل"أنّك إذا قلت: مسحت يدي بالحائط، كان معقولًا مسحها ببعضه دون جميعه. ولو قلت: مسحت الحائط، كان المعقول: مسحه جميعه، دون بعضه .." [1] .
وأنكر ذلك الشيخ ـ كما سبق ـ، وقال:"من ظنّ أنّ من قال بإجزاء البعض، لأنّ الباء للتبعيض .. فهو خطأ أخطأه على الأئمّة، وعلى اللغة، وعلى دلالة القرآن. والباء للإلصاق .." [2] .
ويؤيّد ذلك: ما ذكره العكبريّ [3] في التبيان، حيث قال في قوله تعالى: {برؤوسكم} :"الباء زائدة. وقال من لا خبرة له بالعربيّة: الباء في مثل هذا للتبعيض. وليس بشيء يعرفه أهل النحو. ووجه دخولها: أنّها تدلّ على إلصاق المسح بالرأس .." [4] .
واستظهر ذلك ابن هشام [5] في مغنيه [6] .
أمّا ما ذكروه من قول القائل:"مسحت يدي بالحائط"، فإنّ الباء هنا ليست للتبعيض، بدليل صحّة قول القائل:"مسحت يدي بالحائط كلّه". ولو كانت الباء للتبعيض، لما جاز ذلك، فتكون للإلصاق.
وقد ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ مأخذ من جوّز مسح البعض: حديث المغيرة، مع تنازعهم في مقدار البعض، ثمّ أجاب عن ذلك ـ كما سبق قريبًا ـ.
(1) أحكام القرآن للجصّاص: 2/ 341. وروائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني (بيروت: مؤسّسة مناهل العرفان) : 1/ 539.
(2) الفتاوى الكبرى: 1/ 53، 54.
(3) الشيخ الإمام النحويّ البارع، محبّ الدين، أبو البقاء، عبد الله بن الحسين العكبري ثم البغدادي الأزجي الحنبليّ
الفرضي صاحب التصانيف. سمع من أبي زرعة المقدسي وابن البطّي وحدّث عنه ابن النجار والضياء المقدسي. مات سنة ستّ عشرة وستّ مئة (ينظر: طبقات النحاة لابن قاضي شهبة: ص 165، 166، وسير أعلام النبلاء: 22/ 91) .
(4) التبيان في إعراب القرآن (بيروت: إحياء الكتب العربيّة) : 1/ 208. وينظر: القواعد والفوائد الأصوليّة وما يتعلّق بها من الأحكام الفرعيّة لابن اللحّام (مكّة: مكتبة إحياء التراث الإسلاميّ) : ص 193.
(5) عبد الملك بن هشام بن أيّوب، العلامة النحويّ الإخباريّ، أبو محمّد الذهليّ. صاحب السيرة المشهورة، سمع
من الشافعي، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (طبقات النحاة: 2/ 111، وسير أعلام النبلاء: 10/ 428) .
(6) ينظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب (بيروت: دار الفكر) : ص 143.