فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 821

2.دلالة السنّة المطهّرة، القولية والفعلية:

فأمّا القولية؛ فقد صحّت الأحاديث النبويّة الشريفة في التحذير من ترك شيء

من القدم لم يمسّه الماء، ومنها حديث عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ قال: تخلّف عنّا النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في سَفْرة سافرناها، فأدركنا ـ وقد أرهقتنا الصلاة ـ ونحن نتوضّأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:"ويلٌ للأعقاب من النار"مرّتين أو ثلاثًا [1] . فهذا الحديث نص صحيح صريح في وجوب تعميم الأرجل بالغسل. ولو كان المسح جائزًا؛ لما شقّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على أصحابه، مع ما كانوا فيه من الإرهاق والتعب.

وأمّا السنّة الفعلية، فقد ثبت عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه كان يغسل رجليه بكمالهما، ولم يرو عنه مرّة أنّه مسحهما، ولو كان المسح جائزًا، لفعله مرّة لبيان الجواز.

وأمّا ما نُسب إلى ابن عبّاس وأنس ـ رضي الله عنهما ـ، وكذلك ما روي عن عكرمة والشعبيّ والحسن والطبريّ ـ رحمهم الله ـ من القول بالمسح دون الغَسل، أو التخيير بينهما، فقد أجاب عنه الألوسيّ [2] بقوله:"وما يزعمه الإماميّة من نسبة المسح إلى ابن عبّاس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وأنس بن مالك وغيرهما، كذب مفترى عليهم، فإنّ أحدًا منهم ما روي عنه بطريق صحيح أنّه جوّز المسح، إلا ابن عبّاس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ فإنّه قال بطريق التعجّب: (لا نجد في كتاب الله تعالى إلا المسح، ولكنّهم أبوا إلا الغَسل) ، ومراده أنّ ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجرّ التي كانت قراءته، ولكنّ الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل، ففي كلامه هذا إشارة إلى أنّ قراءة الجرّ مؤولّة متروكة الظاهر بعمل الرسول ـ"

(1) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: من رفع صوته بالعلم: 1/ 33، برقم: 60، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما: ص 72، برقم: 241.

(2) هو أبو المعالي، محمّود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين الآلوسيّ الحسيني، مؤرّخ ومفسّر، أخذ العلم عن أبيه وعمّه وغيرهما، وكان من دعاة الإصلاح، مات سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة بعد الألف. (ينظر: الأعلام للزركلي: 7/ 172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت