قال:"وأمّا إذا كان يقتل النفوس سرًّا لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان [1] يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم، قتلهم، وأخذ أموالهم. أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طبّ، أو نحو ذلك، فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمّى (القتل غيلة) ، ويسمّيهم بعض العامّة: (المعرّجين) ، فإذا كان لأخذ المال، فهم كالمحاربين، أو يجري عليهم حكم القود؟ فيه قولان للفقهاء، أحدهما: أنّهم كالمحاربين، لأنّ القتل بالحيلة، كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشدّ، لأنّه لا يدري به. والثاني: أنّ المحارب هو المجاهر بالقتال، وأنّ هذا المغتال يكون أمره إلى وليّ الدم. والأوّل أشبه بأصول الشريعة .." [2] .
الدراسة، والترجيح:
هذه المسألة من المسائل الفقهيّة في آيات الأحكام، لذا قلّ من يذكرها من المفسّرين، وإنّما تذكر ـ غالبًا ـ في كتب تفسير آيات الأحكام، وكتب الفقه.
وقد وافق الشيخ في اختياره قول أبي الزناد [3] ، ومالك [4] .
وحجّتهم في ذلك، ما ذكره الشيخ، من أنّ مثل هذا القتل لا يمكن الاحتراز منه، فهو كالقتل مكابرة، بل هو أشدّ ضررًا، من حيث إنّه لا يدرى به.
وذهب الحنفية [5] ، والشافعيّة [6] ، والحنابلة [7] ، والظاهريّة [8] ، إلى أنّ قتل الغيلة ليس داخلًا في حكم الحرابة، وإنّما يوجب القصاص كسائر أنواع القتل عمدًا، وأنّ لأولياء الدم العفو، أو القصاص.
(1) الخان: الحانوت ونحوه، (فارسيّ معرّب) . ينظر: لسان العرب: 2/ 1296، مادة (خون) .
(2) السياسة الشرعيّة: ص 67، 68.
(3) هو التابعيّ الجليل: عبد الله بن ذكوان القرشيّ، إمام ثقة فقيه. سمع أباسلمة والأعرج. روى عنه: عبيد الله بن عمر،
ومالك، والثوريّ. مات سنة: إحدى وثلاثين ومئة.(ينظر: الكنى والأسماء: 1/ 350، وسير أعلام النبلاء:
(4) ينظر: المدوّنة: 16/ 230، ومواهب الجليل بشرح مختصر خليل: 6/ 233.
(5) ينظر: الحجّة لمحمد بن الحسن الشيبانيّ (بيروت: عالم الكتب) : 4/ 382.
(6) ينظر: الأمّ: 7/ 349.
(7) ينظر: المغني: 11/ 460.
(8) ينظر: المحلّى: 7/ 521.