ولم أر من ذكره من المفسّرين بهذا اللفظ، وهو في معنى القول الأوّل، أو قريب منه.
ومنشأ هذا الاختلاف عند من فسّروا النفي بالإخراج: اختلافهم في معنى الألف واللام في قوله: (الأرض) ، فمن رأى أنّها للجنس، قال: المراد مطلق الأرض، فيطلب أبدًا حتّى لا يأوي إلى بلد. ومن رأى أنّها للعهد، قال: المراد أرضه التي أحدث فيها، فينفى من أرضه إلى أرض أخرى [1] .
وأمّا الذين فسّروا النفي بالسجن، فإنّهم قالوا:"إنّ قوله (أو ينفوا من الأرض) لا يخلو من أن يكون المراد به نفيه من جميع الأرض، وذلك محال، لأنّه لا يمكن نفيه من جميع الأرض إلا بأن يقتل، ومعلوم أنّه لم يرد بالنفي القتل، لأنّه قد ذكر في الآية القتل مع النفي. أو يكون مراده نفيه من الأرض التي خرج منها محاربًا، من غير حبسه، لأنّه معلوم أنّ المراد بما ذكره: زجره عن إخافة السبيل، وكفّ أذاه عن المسلمين، وهو إذا صار إلى بلد آخر، فكان هناك مخلًا [2] ، كانت معرّته قائمة على المسلمين، إذا كان تصرّفه هناك كتصرّفه في غيره. أو أن يكون المراد: نفيه عن دار الإسلام، وذلك ممتنع أيضًا، لأنّه لا يجوز نفي المسلم إلى دار الحرب، لما فيه من تعريضه للردّة، ومصيره إلى أن يكون حربيًّا. فثبت أنّ معنى النفي هو نفيه عن سائر الأرض إلا موضع حبسه الذي لا يمكنه فيه العبث والفساد" [3] .
والراجح ـ والله تعالى أعلم ـ قول من قال: إنّ نفيه إخراجه وإبعاده عن مكانه الذي هو موطنه، إلى مكان آخر دون حبس. وذلك لوجهين:
1.أنّ هذا المعنى هو الذي تدلّ عليه لغة العرب، فإنّه"لا يُعرف في كلام العرب معنى للنفي غير هذا" [4] ، والأصل حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب [5] .
(1) ينظر: البحر المحيط: 3/ 485.
(2) هكذا في النسخة المطبوعة، ولعلّها: (مخلّى) ، من التخلية، وهي الترك. (ينظر: لسان العرب:2/ 1257، مادة
(خلا) .
(3) أحكام القرآن للجصّاص: 2/ 412.
(4) التحرير والتنوير لابن عاشور: 5/ 94. وينظر: جامع البيان: 4/ 560.
(5) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسّرين: 2/ 369.