فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 821

لم يأتوك .. [1] .

وشذّ البقاعيّ ـ رحمه الله تعالى ـ، فذكر قولًا غريبًا في معنى الآية، فإنّه قال:

" (سمّاعون) أي: متقبّلون غاية التقبّل، بغاية الرغبة (للكذب) أي: من قوم من المنافقين، يأتونك، فينقلون عنك الكذب. (سمّاعون لقوم آخرين) أي: الصدق .." [2] . وهو قول انفرد به، ولم يوافقه عليه ـ حسب اطّلاعي ـ أحد من المفسّرين.

وأرجح الأقوال، وأعدلها في معنى هذه الآية: ما ذهب إليه الطبريّ، والبغويّ ـ رحمهما الله ـ، من التفريق بين معنى اللام في الموضعين.

وليست الحجّة في ذلك ما ذكروه من أنّ السماع بمعنى القبول لا يكاد يقال فيه إلا سامع. فليس ذلك في كتاب الله، بل فيه ما يدلّ على خلافه؛ فإنّ الله قال في الآية التي تلي هذه الآية: { .. سمّعون ... للكذب أكّلون ... للسحت .. } ، وعامّة المفسّرين على أنّ السماع هنا بمعنى القبول، وهو يدلّ على كثرة سماعهم للباطل، وقبوله، والحكم به. مع قبول الرشى وغيرها من المال الحرام [3] .

ولكنّ الحجّة ما دلّ عليه سببا نزول هذه الآية، ففي صحيح مسلم وغيره، عن البراء بن عازب [4] ـ رضي الله عنه ـ قال: مُرّ على النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بيهوديّ محمّمًا مجلودًا، فدعاهم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقال:"هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟"، قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال:"أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟"، قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنّه

(1) ينظر: المحرّر الوجيز لابن عطيّة: 4/ 446.

(2) نظم الدرر: 2/ 456.

(3) ينظر: جامع البيان: 4/ 579، 580.

(4) هو الصحابيّ الجليل البراء بن عازب بن الحارث، أبو عمارة الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، روى أحاديث كثيرة، وشهد

غزوات كثيرة مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. حدّث عنه: عبد الله بن يزيد الخطميّ، وأبو جحيفة السوائي، مات سنة: اثنتين وسبعين. (ينظر: التاريخ الكبير: 2/ 117، وسير أعلام النبلاء: 3/ 194) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت