كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف، تركناه. وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"اللهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به، فرُجم، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ: {يأيّها الرسول لا يحزنك الذين ... يسارعون ... في ... الكفر من ... الذين ... قالوا ءامنّا بأفواههم ولم تؤمن ... قلوبهم ومن ... الذين ... هادوا سمّعون ... للكذب سمّعون ... لقوم ءاخرين ... لم يأتوك يحرّفون ... الكلم من ... بعد مواضعه يقولون ... إن ... أوتيتم هذا فخذوه .. } يقول: ائتوا محمّدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا .. الحديث [1] .
الشاهد، قولهم:"ائتوا محمّدًا، فإنّ أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا .."، وهذا مطابق لما جاء في الآية، فليس المقصود بقوله: (سمّاعون لقوم آخرين) أنّهم يقبلون منهم، فإنّهم ـ أصلًا ـ منهم. ولكنّهم يسمعون لأجل أولئك القوم الذين لم يحضروا مجلسه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. فهم سمّاعون للكذب من أحبارهم، أي يقبلونه غاية القبول. ثمّ هم ـ مع ذلك ـ سمّاعون لغيرهم، يسألون رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لأجل أولئك القوم الذين لم يأتوا، تحسّسًا، ثمّ ينقلون ما سمعوه إليهم، فإن كان موافقًا لأهوائهم جاؤوا، وإلا لم يأتوا. ويشهد لذلك ما جاء في الرواية الأخرى:"فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ، فإنّه بُعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم، قبلناها، واحتججنا بها عند الله. قلنا: فتيا نبيّ من أنبيائك .." [2] .
وفي رواية: فاجتمع أحبار من أحبارهم، فبعثوا قومًا آخرين إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقالوا: سلوه عن حدّ الزنى .. [3] .
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمّة، في الزنى: ص 442، برقم:1700.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين: 5/ 107، برقم:4446. وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص، وسكت عنه.
(3) المصدر السابق: 5/ 108، برقم: 4447.