{وأن ... احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم .. } [المائدة:49] ، قال: فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ أن يحكم بينهم بما في كتابنا" [1] ."
4.أنّ ذلك هو مقتضى النظر الصحيح، قال النحّاس ـ رحمه الله ـ:"لأنّهم قد أجمعوا جميعًا أنّ أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام، فله أن ينظر بينهم، وأنّه إذا نظر بينهم مصيب، ثمّ اختلفوا في الإعراض عنهم على ما ذكرنا، فالواجب أن ينظر فيهم لأنّه مصيب عند الجماعة، وألاّ يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركًا فرضًا، فاعلًا ما لا يحلّ له، ولا يسعه" [2] .
والراجح ـ والله تعالى أعلم ـ ما اختاره الشيخ ـ رحمه الله ـ ومن وافقه، من القول بعدم النسخ، وذلك لما يلي:
-دلالة السياق، فإنّ سياق الآيات يدلّ على أنّها نزلت في نسق واحد [3] ، فلا بدّ أن يكون قوله {وأن ... احكم بينهم بما أنزل الله} معطوفًا على ما قبله من قوله تعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} ، وقوله: {فإن ... جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} ، وإنّما حذف التخيير في الآخِر، لدلالة الأوّل عليه، لأنّه معطوف عليه، وليس الآخر بمنقطع عمّا قبله، إذ لا معنى لذلك، ولا يصحّ، بل هو مرتبط به، والناسخ لا يكون مرتبطًا بالمنسوخ، ولا معطوفًا عليه، فالتخيير في ذلك محكم غير منسوخ [4] .
-أنّ النسخ لا يحكم به إلاّ إذا تعذّر الجمع بين الدليلين، والجمع هنا ممكن، فإنّ الأوّل جاء في التخيير بين الحكم وتركه. والثاني بيّن كيفية الحكم إذا كان [5] .
(1) أخرجه الطبرانيّ في المعجم الأوسط: 8/ 229، برقم: 8482، والحاكم في المستدرك: 2/ 341، برقم:3217،
وقال: صحيح الإسناد، والبيهقيّ في السنن الكبرى: 8/ 248.
(2) الناسخ والمنسوخ: 1/ 399.
(3) ينظر: التحرير والتنوير: 5/ 110.
(4) ينظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله، واختلاف الناس فيه لمكيّ بن أبي طالب(الرياض:
جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة): ص 235.
(5) ينظر: زاد المسير: ص 384.