انفرد الشيخ ـ رحمه الله ـ بهذا القول دون سائر المفسّرين، فلم أر منهم من ذكر هذا القول، أو أشار إليه مجرّد إشارة، والذي تطمئنّ إليه النفس هو ما ذهب إليه عامّة المفسّرين، وذلك لأمور:
-أحدها: أنّه شبه إجماع من المفسّرين، وإن لم يصرّحوا به.
-الثاني: أنّ سياق الآيات يدلّ على ذلك؛ فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فرّق بين من قال: (إنّ الله هو المسيح ابن مريم) ، ومن قال: (إنّ الله ثالث ثلاثة) ، ومن قال: (المسيح ابن الله) ولو كان القائل واحدًا، لم يفرّق بينهم، ولذكرهم في سياق واحد، فدلّ ذلك على أنّ كلّ قول من هذه الأقوال قالت به طائفة منهم، ولمّا ذكر هذه الأقوال الثلاثة في سياق واحد، وجّه الخطاب إلى الجميع، كما في قوله: {يأهل الكتب لا تغلوا في ... دينكم ولا تقولوا على ... الله إلا الحقّ إنّما المسيح عيسى ... ابن ... مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى ... مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرًا لكم إنّما الله إله واحد سبحنه أن ... يكون ... له ولد .. } [النساء:171] ، ففي قوله: {إنّما المسيح عيسى ... ابن ... مريم رسول الله .. } نفي لألوهية المسيح ـ عليه السلام ـ.
وفي قوله: {ولا تقولوا ثلثة .. } نفي لقولهم: إنّ الله ثالث ثلاثة.
وفي قوله: {سبحنه أن ... يكون ... له ولد .. } نفي لقولهم: المسيح ابن الله.
فإن قيل: فلمَ قال ـ مخاطبًا الجميع ـ: (ولا تقولوا ثلاثة) ؟. فالجواب: أنّ التحقيق أنّ النصارى جميعًا متّفقون على عقيدة التثليث، وإنّما اختلفوا في طبيعة المسيح ـ عليه السلام ـ والعنصر الإلهي فيه، أهو الجسد الذي تكوّن من الروح القدس، ومن مريم العذراء، والذي باختلاطه بالعنصر الإلهي صار طبيعة واحدة، ومشيئة واحدة، وهؤلاء هم القائلون بأنّ الله هو المسيح ابن مريم. أو أنّ الأقنوم الثاني له طبيعتان ومشيئتان، وهم القائلون: المسيح ابن الله [1] .
(1) ينظر: محاضرات في النصرانيّة: ص 124، 125.