هذه المسألة كسابقتها، من مسائل آيات الأحكام، وأكثر المفسّرين إنّما يحكون أقوال الفقهاء فيها.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الأحناف [1] ، والشافعيّة [2] ، والحنابلة [3] ، إلى أنّ الإدام ليس بواجب في الإطعام، وحجّتهم في ذلك: أنّ الأمر بالإطعام مطلق، ولم يرد تقييده بشيء من الأجناس، فوجب إبقاؤه على إطلاقه.
قال الشوكانيّ ـ رحمه الله ـ:"وأمّا كون ذلك الإطعام بإدام، فلا يصحّ هذا الاشتراط إلاّ على فرض أنّه لا يصدق الإطعام إلاّ على مجموع الطعام والإدام، وهو خلاف ما تدلّ عليه لغة العرب، وعرف أهل الشرع، كما يفيد ذلك واقعات كثيرة من أيّام النبوّة" [4] .
وذهب جمهور المالكيّة إلى وجوب الإدام إلاّ في خبز الحنطة [5] .
واختار ابن حبيب [6] من المالكيّة وجوب الإدام مطلقًا. وأيّده القرطبيّ في تفسيره، وذكر أنّ نزول الآية في الوسط يقتضي وجود الإدام [7] .
وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ هو القول الوسط، وهو الراجح، لما يدلّ عليه قوله تعالى: { .. من ... أوسط ما تطعمون ... أهليكم .. } ، فإنّه إذا لم يكن يطعم أهله الإدام، لم يجب عليه أن يطعم غيرهم بنصّ الآية.
والذين لم يوجبوا الإدام مطلقًا، جعلوا الإطعام في كفّارة اليمين، وفي غيرها من الكفّارات، واحدًا في سائر الأحكام، وقد سبق أنّ ذلك قياس مع الفارق، حيث خصّ الله كفّارة اليمين بقوله: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) .
(1) ينظر: المبسوط لمحمّد بن الحسن: 3/ 211، والمبسوط للسرخسي: 8/ 150.، وأحكام القرآن للجصّاص:
(2) ينظر: الأمّ للشافعيّ: 7/ 67.
(3) ينظر: كشّاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي (بيروت: عالم الكتب) : 6/ 242.
(4) السيل الجرّار: 4/ 29.
(5) ينظر: حاشية ابن عابدين: 3/ 725.
(6) الإمام العلاّمة فقيه الأندلس، أبو مروان، عبد الملك بن حبيب بن سليمان، السلمي العبّاسي القرطبيّ المالكيّ، أخذ
عن الغاز بن قيس، وصعصعة بن سلام. مات سنة: ثمان وثلاثين ومئتين. (ينظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي(القاهرة: مكتبة الخانجي) : 1/ 269، وسير أعلام النبلاء: 12/ 102).
(7) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 6/ 278.