-ومن أدلّتهم أيضًا: ما جاء في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أطعم الجدّة السدس .." [1] ، فسمّى التمليك إطعامًا."
-واحتجّوا أيضًا بأنّه مالٌ وجب للفقراء شرعًا، فوجب تمليكهم إيّاه كالزكاة [2] .
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بما يلي:
أوّلًا:"قولهم: إنّه مقدّر بالشرع .. غير مسلّم. وإن قدّر أنّه كذلك، فالكلام إنّما هو إذا أشبع كلّ واحد منهم غداءً وعشاءً، وحينئذ فيكون قد أخذ كلّ واحد قدر حقّه وأكثر."
وأمّا التصرّف بما شاء، فالله تعالى لم يوجب ذلك، إنّما أوجب الإطعام، ولو أراد ذلك لأوجب مالًا من النقد ونحوه، وهو لم يوجب ذلك.
ثانيًا: استدلالهم بما روي عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه أطعم الجدّة السدس .. غاية ما يقال فيه إنّ التمليك قد يسمّى إطعامًا، لكن تناول اللفظ للإطعام المعروف أولى، لاسيّما عند الإطلاق، وإنّما يسوغ إطلاق الإطعام على التمليك إذا ذُكر المُطْعَم، فيقال: أطعمه كذا. أمّا عند الإطلاق، مثل أن يقول: أطعم هؤلاء المساكين. فإنّه لا يُفهم منه إلاّ نفس الإطعام.
ثالثًا: قولهم: إنّه مال وجب للفقراء شرعًا .. يجاب عنه بأنّ الزكاة إنّما أوجب فيها التمليك لأنّه ذكرها باللام بقوله تعالى: {إنّما الصدقت للفقراء والمسكين .. } [التوبة:60] ، بخلاف كفّارة اليمين، ولذا لمّا ذكر الرقاب، وفي سبيل الله، أتى بـ (في) الظرفيّة التي تفيد التصرّف، لذا لم يجب التمليك
(1) أخرجه الترمذيّ في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدّة مع ابنها: ص 610، برقم: 2107، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلاّ من هذا الوجه. وقال البيهقي في سننه (6/ 226) :"تفرّد به محمّد بن سالم، وهو غير محتجّ به". وضعّف الحديث الألبانيّ، كما في الإرواء: 6/ 131.
(2) ينظر: كشّاف القناع للبهوتي: 6/ 242.