والراجح ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الأوّل، وهو الذي اختاره الطبريّ ـ رحمه الله ـ، وهو ظاهر اختيار الشيخ، وهو أنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان ناظرًا، وليس مناظرًا، وذلك لما يلي:
1.أنّ هذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية، وأمّا الإضمار والتقدير، فهو خلاف الأصل.
2.دلالة السباق واللحاق. أمّا السباق، فإنّ الله سبحانه قال قبل حكاية هذه القصّة: {وكذلك نري ... إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون ... من ... الموقنين} ، وفي هذا دليل على أنّه كان ناظرًا، ولم يك مناظرًا. وقوله: (وليكون من الموقنين) دليل على أنّه لم يكن كذلك من قبل.
وأمّا اللحاق، فإنّ الله قال بعدها: {لئن ... لم يهدني ... ربّي ... لأكوننّ ... من ... القوم الضالّين} ، ومثل هذا لا يقوله مناظر، والظاهر أنّه قال ذلك بينه وبين نفسه.
3.أنّ من القواعد المقرّرة في الترجيح: وجوب حمل ألفاظ الكتاب على الأوجه الإعرابيّة
القويّة والمشهورة، دون الضعيفة والشاذّة والغريبة [1] .
والمقصود أنّه ليس في سياق الآيات ما يدلّ على أنّه كان مناظرًا، إلا بعد ما هداه الله، واستيقن الحقّ، فحينئذٍ توجّه إلى قومه قائلًا لهم: { .. يا قوم إنّي ... بري ... ء ممّا تشركون ... } الآيات، وحينئذٍ حاجّه قومه، وهدّدوه، وخوّفوه بآلهتهم، فأقام عليهم الحجّة. وهذا هو معنى قوله في سورة إبراهيم: {ولقد ءاتينا إبرهيم رشده من ... قبل وكنّا به علمين} [الأنبياء: 51] ، فإنّه نشأ على دين قومه من عبادة الكواكب العلويّة، والأصنام السفليّة ـ وإن لم يكن مقتنعًا بذلك ـ حتّى هداه الله، وأراه ملكوت السموات والأرض، فكان من الموقنين.
(1) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسّرين: 2/ 645.