فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 821

وأمّا ما أخرجه الطبريّ وغيره، عن ابن إسحاق، من قصّة النمرود، وما قال له أصحاب النجوم من ولادة غلام اسمه إبراهيم في عام كذا، يكون زوال ملكه على يديه، وأنّه أمر بقتل كلّ مولود ذكر يولد في ذلك العام، وأنّ أمّ إبراهيم لمّا حملت به، خافت عليه، فولدته في مغارة، وأغلقت عليه حتّى شبّ في زمن قصير على غير العادة، فلم يلبث في المغارة سوى خمسة عشر شهرًا، حتّى قال لأمّه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر، وتفكّر في خلق السموات والأرض، فلمّا رأى كوكبًا قال: هذا ربّي. ثمّ أتبعه ببصره حتّى غاب، فلمّا أفل قال: لا أحبّ الآفلين .. إلى آخر ما ذُكر .. فإنّ هذا الخبر ـ مع إرساله وضعف سنده [1] ـ في متنه نكارة شديدة، فهو مخالف لما صحّ عن نبيّنا ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من قوله:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، أو يمجّسانه .." [2] ، فلو كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ كما جاء في الخبر ـ قد نشأ في مغارة، ولم يتلق تربية من والديه، لكان موحّدًا، ولم يقع في قلبه التفات إلى غير الله، فدلّ ذلك على أنّه نشأ في قومه، وتأثّر بهم، حتّى هداه الله، وأنار بصيرته، وآتاه رشده.

أمّا قولهم: إنّ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ منزّهون عن ذلك، ومعصومون منه [3] .. الخ. فالجواب: أنّ هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، بل قد دلّ الدليل على خلافه، ومن ذلك: ما ذكره الله عن نبيّه شعيب ـ عليه السلام ـ وقول قومه له: {لنخرجنّك يشعيب والذين ... ءامنوا معك من ... قريتنا أو لتعودنّ ... في ... ملّتنا قال أولوا كنّا كرهين * قد افترينا على ... الله كذبًا إن ... عدنا في ... ملّتكم بعد إذ نجّنا الله منها .. } [الأعراف: 88، 89] ، ففي هذه الآيات دليل واضح على أنّ شعيبًا

(1) في إسناده سلمة بن الفضل، قال عنه الحافظ في التقريب (1/ 318) :"صدوق، كثير الخطأ".

(2) أخرجه البخاريّ في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبيّ فمات ...: 1/ 456، برقم: 1293، ومسلم في كتاب القدر، باب معنى كلّ مولود يولد على الفطرة ...: ص 675، برقم: 2658.

(3) ينظر: المحرّر الوجيز لابن عطيّة: 5/ 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت