فهرس الكتاب
ومثل هذا لا يشهد لمعنى الآية، لأنّ لفظ العَود فيها ليس مطلقًا، بل هو صريح بالعَود إلى أمر قد كان عليه الرسول وأتباعه، لا يحتمل غير ذلك [1] .
وذهب آخرون إلى أنّ قولهم: (لتعودنّ في ملّتنا) من باب التغليب، وذلك أنّهم لمّا جمعوا في الخطاب معه من كان كافرًا ثمّ آمن؛ خاطبوا شعيبًا بخطاب أتباعه، وغلّبوا لفظهم على لفظه.
وممّن اختار هذا التوجيه: الزمخشريّ [2] ، والبيضاويّ [3] ، والنسفيّ [4] .
قال الزمخشريّ:"فإن قلت: كيف خاطبوا شعيبًا ـ عليه السلام ـ بالعود في الكفر في قولهم (أو لتعودنّ في ملّتنا) ، وكيف أجابهم بقوله: (إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها .. ) والأنبياء ـ عليهم السلام ـ لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فيه تنفير، فضلًا عن الكبائر، فضلًا عن الكفر؟ قلت: لمّا قالوا: (لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك .. ) ، فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم؛ قالوا: (لتعودنّ) ، فغلّبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعًا، إجراء للكلام على حكم التغليب، وعلى ذلك أجرى شعيب ـ عليه السلام ـ جوابه، فقال: (إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا الله منها) ، وهو يريد عَود قومه، إلا أنّه نظم نفسه في جملتهم، وإن كان بريئًا من ذلك، إجراء لكلامه على حكم التغليب" [5] .
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بأنّه ـ مع ضعفه ـ لا يتأتّى في سورة إبراهيم، مع اتّحاد اللفظ في الموضعين، مع قصر الخطاب في سورة إبراهيم على الرسل وحدهم [6] .
وأجابوا عن ذلك بأنّ الخطاب وإن كان للرسل خاصّة؛ فإنّ أتباعهم داخلون فيه إذ هم تبع لهم.
(1) ينظر: تفسير آيات أشكلت: 1/ 176.
(2) ينظر: الكشّاف: 2/ 75، 76.
(3) ينظر: أنوار التنزيل: 3/ 40.
(4) ينظر: مدارك التنزيل: 1/ 24. واختاره من المتأخّرين: السيوطيّ في الإتقان: 2/ 52، وأبو السعود: 3/ 248.
(5) الكشّاف: 2/ 76.
(6) ينظر: تفسير آيات أشكلت: 1/ 171.