فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 821

وقد سلك الشيخ مسلكًا وسطًا، حيث أثبت الأخذ الحسيّ وأنّه أخذ المني من أصلاب الآباء، ونزوله في أرحام الأمّهات. وجعل الإشهاد بلسان الحال، لا بلسان المقال. ووافقه على ذلك: البيضاويّ [1] .

والراجح هو القول الأوّل، وأنّ الأخذ والإشهاد على حقيقته، وهو قول عامّة المفسّرين من أهل السنّة، وهو الذي تدلّ عليه نصوص الكتاب والسنّة.

أمّا دلالة الكتاب، فمن وجهين:

-أحدهما: ظاهر الآية؛ حيث ذكر أنّه استنطقهم بقوله: ألست بربّكم، وأنّهم نطقوا، وقالوا: بلى شهدنا. والأصل حمل الآية على ظاهرها بلا تأويل.

-الثاني: أنّ مقتضى قول من قال إنّ الأخذ والإشهاد كان بلسان الحال: أنّ ما أقامه الله من البراهين الكونيّة، كخلق السموات والأرض الدالّة على ربوبيّتة سبحانه، وما ركزه فيهم من الفطرة التي فطروا عليها؛ كافٍ في إقامة الحجّة عليهم، ولو لم يأتهم نذير. وهذا خلاف ما جاء في كثير من الآيات بأنّ الله تعالى لا يعذّب أحدًا حتّى يقيم عليه الحجّة بإرسال الرسل، ومن ذلك قوله: {رسلًا مبشّرين ... ومنذرين ... لئلا يكون ... للناس على ... الله حجّة بعد الرسل .. } [النساء: 165] ، وقوله: {وما كنّا معذّبين حتّى ... نبعث رسولًا} [الإسراء:15] ، فالذي تقوم به الحجّة على الناس، وينقطع به عذرهم: إرسال الرسل، لا نصب الأدلّة، والخلق على الفطرة [2] .

وأمّا السنّة؛ فقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الله أخرج ذرّيّة آدم في صورة الذرّ، فكلّمهم، وأخذ عليهم الميثاق، وأشهدهم على أنفسهم. وقد ذكر

(1) ينظر: أنوار التنزيل: 3/ 71. واختاره من المتأخّرين: ابن كثير: 2/ 264، والسعديّ: 3/ 113 ـ 115. قال ـ رحمه الله ـ:"وقد قيل إنّ هذا يوم أخذ الله الميثاق على ذرّيّة آدم حين استخرجهم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتجّ عليهم بما أمرهم به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم وعنادهم في الدنيا والآخرة، ولكن ليس في الآية ما يدلّ على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة لله تعالى. والواقع شاهد بذلك، فإنّ هذا العهد والميثاق الذي ذكروا أنّه حين أخرج الله ذرّيّة آدم من ظهره، حين كانوا في عالمٍ كالذرّ، لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدميّ، فكيف يحتجّ الله عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر، ولهذا لمّا كان هذا أمرًا جليًّا، قال تعالى: {وكذلك نفصّل الآيت .. } ، أي: نبيّنها ونوضّحها { .. ولعلّهم يرجعون ... } إلى ما أودع الله في فطرهم، وإلى ما عاهدوا الله عليه، فيرتدعوا عن القبائح".

(2) ينظر: أضواء البيان: 2/ 336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت