واختار القول الثاني: ابن عطيّة [1] ، والقرطبيّ [2] .
وذكر القرطبيّ ـ رحمه الله ـ أثرًا عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه قال:"لو جَعَل شمسين: شمسًا بالنهار، وشمسًا بالليل، ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يُعلم عدد السنين وحساب الشهور" [3] .
وأمّا سائر المفسّرين، فمنهم من اقتصر على ذكر القولين دون اختيار [4] ، ومنهم من لم يذكر شيئًا.
والراجح ـ والله تعالى أعلم ـ: القول الثاني، وهو أنّ قوله (لتعلموا) متعلّق بـ (جعل) ، وذلك أنّه هو الموافق لقوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلًا من ربّكم ولتعلموا عدد السنين والحساب .. } [الإسراء:12] حيث إنّ قوله في هذه الآية (لتعلموا) متعلّق بـ (جعلنا) ، والقرآن يفسّر بعضه بعضًا.
وفي هذه الآية أيضًا جواب عن قول الشيخ إنّ الشمس لم يُعلّق لنا بها حساب .. وفيها جواب أيضًا عن قوله إنّ كون الشمس ضياءً، والقمر نورًا لا تأثير له في معرفة عدد السنين والحساب، فإنّ الله في هذه الآية جعل الشمس والقمر علّة لمعرفة عدد السنين والحساب. وانتقالهما من برج إلى برج إنّما هو نتيجة لتعاقبهما وسيرهما، وهو أمر خفي لا يعلمه إلاّ أهل الاختصاص. والقرآن خطاب لجميع الناس بما هو ظاهر.
وممّا يدلّ على اعتبار الشمس في الحساب: قوله تعالى: {ولبثوا في ... كهفهم ثلث مائةٍ سنين وازدادوا تسعًا} [الكهف: 25] ، فإنّ المراد ـ على أصحّ الأقوال [5] ـ ثلاث مئة سنة شمسيّة، وزيادة تسع سنين بحساب السنة القمرية [6] .
(1) ينظر: المحرّر الوجيز: 7/ 105.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 8/ 310. ومن المتأخّرين: ابن كثير: 2/ 407.
(3) لم أقف على هذا الأثر.
(4) ينظر: جامع البيان: 6/ 532، ومعاني القرآن للنحّاس: 3/ 278، ومعالم التنزيل: 4/ 122.
(5) ينظر: نظم الدرر: 4/ 462.
(6) وذلك أنّ السنة الشمسيّة تزيد على السنة القمريّة بأحد عشر يومًا إلاّ قليلًا، ففي ثلاث مئة سنة شمسية تكون الزيادة تسع سنوات بحساب السنة القمرية. ويتّضح ذلك بضرب الفارق بين السنتين الشمسية والقمرية ـ وهو= = أحد عشر ـ في ثلاث مئة هي مقدار السنين التي لبثوها، فيكون الناتج على وجه التقريب: (3300) ، فإذا قسمنا هذا العدد على ثلاث مئة وأربعة وخمسين يومًا عدد أيّام السنة القمرية، كان الناتج تسعة.