وقال في موضع آخر:".. فتبيّن أنّ قوله {أفمن ... كان ... على ... بيّنة من ... ربّه .. } يعني هدى الإيمان. {ويتلوه شاهد منه} أي: من الله. يعني القرآن شاهد من الله، يوافق الإيمان ويتبعه. وقال (يتلوه) لأنّ الإيمان هو المقصود، لأنّه إنّما يراد بإنزال القرآن الإيمان وزيادته" [1] .
ثمّ قال موضّحًا ذلك:"ولهذا جعل الإيمان بيّنة، وجعل القرآن شاهدًا، لأنّ البيّنة من البيان، والبيّنة هي السبيل البيّنة، وهي الطريق البيّنة الواضحة. وهي أيضًا ما يبين بها الحقّ. فهي بيّنة في نفسها، مبيّنة لغيرها. وقد تفسّر بالبيان، وهي الدلالة والإرشاد، فتكون كالهدى، كما يقال: فلان على هدى وعلم. فيفسّر بمعنى المصدر والصفة والفاعل .. وجعل الإيمان من الله، كما جعل الشاهد من الله، لأنّ الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال كما في الصحيحين عن حذيفة، عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"إنّ الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنّة" [2] . وأيضًا فالإيمان ما قد أمر الله به. وأيضًا"
فالإيمان إنّما هو ما أخبر به الرسول، وهذا [أي: الشاهد وهو القرآن] أخبر به الرسول. لكن الرسول له وحيان، وحي تكلّم الله به يتلى. ووحي لا يتلى، فقال: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من ... أمرنا} الآية، وهو يتناول القرآن والإيمان .. وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه، وهو الوحي الذي جاء بالإيمان والقرآن. فقد تبيّن أنّ كلاهما من الله نور وهدى منه: هذا يعقل بالقلب لما قد يشاهد من دلائل الإيمان مثل دلائل الربوبيّة والنبوّة. وهذا يسمع بالآذان" [3] ."
الدراسة، والترجيح:
(1) السابق: 15/ 71.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة: 5/ 2382، برقم: 6132، ومسلم في كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب: ص 45، برقم: 143. كلاهما بلفظ:"إنّ الأمانة .."، وليس فيهما ذكر الإيمان، ولعلّ ذلك ورد في روايات أخرى في غير الصحيحين، أو أنّ الشيخ روى الحديث بالمعنى لارتباط الأمانة بالإيمان، والله تعالى أعلم.
(3) مجموع الفتاوى: 15/ 72، 73. (باختصار) .