تنوّعت اختيارات المفسّرين في معنى البيّنة، فذهب الطبريّ [1] ، والواحديّ [2] ، والكرمانيّ [3] ، وابن الجوزيّ [4] ، إلى أنّها القرآن.
واختار الزمخشريّ [5] ، والنسفيّ [6] أنّها الحجّة والبرهان.
ولم أر ـ حسب اطّلاعي ـ من وافق الشيخ في تفسير البيّنة بالإيمان.
وقد أجاب الشيخ ـ رحمه الله ـ عمّن قال: إنّ المراد بالبيّنة: القرآن. وبيّن ضعف هذا القول من وجهين:
-أحدهما: أنّه لو كان المراد القرآن، لما احتاج أن يقول: {ويتلوه شاهد منه} . لأنّ البيّنة إذا كانت هي القرآن، وهو من الله، فقد عُلم أنّه نزل به جبريل على محمّد، وكلاهما بلّغه وقرأه. فقولهم: ويتلوه جبريل، أو محمّد، تكرير لا فائدة فيه، ولا نظير له في القرآن.
-الثاني: أنّ المعنى على قولهم: (أفمن كان على القرآن .. ) . وليس لذلك أيضًا نظير في القرآن، فإنّ القرآن كلام الله واحد، لا يكون عليه. وإذا كان المراد: على الإيمان بالقرآن والعمل به، فهذا الذي ذكرناه: أنّ البيّنة هي الإيمان بما جاء به الرسول .." [7] ."
وأمّا من قال إنّ البيّنة هي البرهان، أو الفطرة؛ فالإيمان أعظم برهان، وهو مقتضى الفطرة السليمة.
(1) ينظر: جامع البيان: 7/ 19.
(2) ينظر: الوجيز: 1/ 516.
(3) ينظر: غرائب التفسير: 1/ 500.
(4) ينظر: تذكرة الأريب: 1/ 246.
(5) ينظر: الكشّاف: 2/ 211.
(6) ينظر: مدارك التنزيل: 2/ 149. ومن المتأخّرين: البقاعيّ: 3/ 513، والسعدي: 3/ 411. واختار ابن كثير: (2/ 440) أنّها: الفطرة. وشذّ ابن عاشور فذكر أنّ المراد بالبيّنة: حجّة مجيء الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ المبشّر به في التوراة والإنجيل. وذلك بناء على ما ذهب إليه من أنّ المراد بقوله تعالى: (أفمن كان) : النصارى خاصّة، أو النصارى واليهود ممّن عرف أحقيّة الإسلام قبل ظهوره .. (ينظر: التحرير والتنوير: 11/ 224) .
(7) ينظر: مجموع الفتاوى: 15/ 65، 66.