فهرس الكتاب
إيمانهما به، لا من جهة كونهما مرسلين منه، فإنّ الإرسال به يتضمّن شهادتهما أنّ الله قاله. وقد يرسل غير رسول بشيء، فيشهد الرسول أنّ هذا كلام المرسِل، وإن لم يكن المرسل صادقًا ولا حكيمًا، ولكن علم أنّ جبريل ومحمّدًا يعلمان أنّ الله صادق وحكيم، فهما يشهدان بما شهد الله به، وكذلك الملائكة والمؤمنون يشهدون بأنّ ما قاله الله فهو حقّ، وأنّ الله صادق وحكيم، ولا يخبر إلاّ بصدق، ولا يأمر إلاّ بعدل {وتمّت كلمة ربّك صدقًا وعدلًا .. } [الأنعام:115] . وبهذا يتبيّن أنّ شهادة جبريل ومحمّد هي شهادة القرآن، وشهادة القرآن هي شهادة الله تعالى. والقرآن شاهد من الله، وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على بيّنة من ربّه. فإنّ البيّنة والبصيرة والنور والهدى الذي عليه النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والمؤمنون، قد شهد القرآن المنزّل من الله بأنّ ذلك حقّ [1] .
4.قول من قال: إنّ الشاهد من نفس المذكور، وفسّره بلسانه، أو بعليّ بن أبي طالب، ضعيف. لأنّ كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنّه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله، فإنّ الله يكون هو الشاهد، وكفى بالله شهيدًا [2] .
5.من قال إنّه عليّ ـ كطائفة من جهّال الشيعة ـ ظنّوا أنّ عليًّا هو الشاهد منه. أي: من النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، كما قال له:"أنت منّي، وأنا منك" [3] . وهذا قاله لغيره أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين أنّه قال:"الأشعريّون هم منّي، وأنا منهم" [4] ، وقال عن جليبيب [5] :"هذا منّي،"
(1) السابق: 15/ 68 ـ 70. (باختصار وتصرّف يسير) .
(2) مجموع الفتاوى: 15/ 84 ـ 86. (باختصار وتصرّف) .
(3) جزء من حديث طويل أخرجه البخاريّ في كتاب الصلح، باب كيف يُكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان وفلان ابن فلان ..: 2/ 959، 960، برقم: 2552.
(4) أخرجه البخاريّ في كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام ..: 2/ 880، برقم: 2354، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريّين: ص 641، برقم: 2500. وقد ذكره الشيخ بالمعنى، ولفظه في الصحيحين:"إنّ الأشعريّين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة، فهم منّي، وأنا منهم". ومعنى أرملوا: فني زادهم وقلّ طعامهم. كأنّهم لصقوا بالرمل من القلّة.
(5) صحابيّ جليل اشتهر باسمه الأوّل، ولا يعرف له نسب، وله ذكر في حديث أنس، في تزويجه بالأنصاريّة، وكانت فيه دمامة وقصر، فكأنّ الأنصاري وامرأته كرها ذلك، فسمعت ابنتهما بما أراد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من ذلك فرضيت به وسلّمت، فدعا لها، ثم ّقتل عنها جليبيب، فلم يكن في الأنصار أيّم أنفق منها. (ينظر: الإصابة مع الاستيعاب: 1/ 244، 259) .