فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 821

رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا تقول إنّ جواب لولا متقدّم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيّون، ومن أعلام البصريّين: أبو زيد الأنصاري [1] ، وأبو العبّاس المبرّد [2] ، بل نقول إنّ جواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريّين في قول العرب: (أنت ظالم إن فعلت) ، فيقدّرونه: (إن فعلت فأنت ظالم) . ولا يدلّ قوله: (أنت ظالم) على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها. فكان موجدًا الهم على تقدير رؤية البرهان، لكنّه وجد رؤية البرهان، فانتفى الهمّ"."

وقد أجاب ـ رحمه الله ـ عمّن قال إنّ هذا القول يردّه لسان العرب، وأقوال السلف بقوله:"وأمّا قولهم: يردّه لسان العرب، فليس كما ذُكر، وقد استدلّ من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب: قال الله تعالى: { .. إن ... كادت لتبدي ... به لولا أن ... ربطنا على ... قلبها لتكون ... من ... المؤمنين} [القصص: 10] . فقوله: (إن كادت لتبدي) إمّا أن يتخرّج على أنّه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإمّا أن يتخرّج على ما ذهبنا إليه من أنّه دليل على الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به."

وأمّا أقوال السلف، فنعتقد أنّه لا يصحّ عن أحد منهم شيء من ذلك، فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب، لأنّهم قدّروا جواب (لولا) محذوفًا، ولا يدلّ عليه دليل، لأنّهم لم

(1) هو الإمام النحويّ سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن صاحب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبي زيد الأنصاريّ، البصريّ. حدّث عن: سليمان التيميّ، وأبو عمرو بن العلاء. وحدّث عنه: أبو عبيد القاسم، وأبو حاتم الرازي. قيل: كان أبو زبد يحفظ ثلثي اللغة، مات سنة خمس عشرة ومئتين. (ينظر: غاية النهاية في طبقات القرّاء: 1/ 305، وسير أعلام النبلاء: 9/ 494) .

(2) هو إمام النحو: محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، صاحب"الكامل"، أخذ عن: أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وعنه: أبو بكر الخرائطي، ونفطويه. كان آية في النحو، مات سنة: ستٍ وثمانين ومئتين. (ينظر: طبقات النحويين واللغويين: ص 101، وسير أعلام النبلاء: 13/ 576) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت