ظهرت براءته في غيبته ـ كما قالت امرأة العزيز: {ذلك ليعلم أنّي ... لم أخنه بالغيب} ، أي: لم أخنه في حال مغيبه عنّي، وإن كنت في حال شهوده راودته ـ فحينئذٍ قال الملك: { .. ائتوني ... به أستخلصه لنفسي ... فلمّا كلّمه قال إنّك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] . وقد قال كثير من المفسّرين إنّ هذا من كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول، وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه. بل الأدلّة تدلّ على نقيضه" [1] ."
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ ـ رحمه الله ـ فيما ذهب إليه: الكرمانيّ [2] ، وأبا حيّان [3] .
قال أبو حيّان ـ رحمه الله ـ:"ومن ذهب إلى أنّ قوله: (ذلك ليعلم) إلى آخره، من كلام يوسف، يحتاج إلى تكلّف ربط بينه وبين ما قبله. ولا دليل يدلّ على أنّه من كلام يوسف".
واختار القول الثاني أكثر المفسّرين، من المتقدّمين والمتأخّرين.
وأجابوا عمّا ذكره الشيخ من أنّ يوسف لم يتقدّم منه قول ولا عمل .. من وجوه:
-أحدها: أنّ هذا مثل قوله تعالى: {قال الملأ من ... قوم فرعون ... إنّ ... هذا لسحر عليم * يريد أن ... يخرجكم من ... أرضكم .. } ، ثمّ قال: {فماذا تأمرون ... } [الأعراف: 109، 110] ، وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم.
(1) مجموع الفتاوى: 10/ 298.
(2) ينظر: غرائب التفسير: 1/ 541.
(3) ينظر: البحر المحيط: 5/ 316. وممّن ذهب إليه من المتأخّرين: ابن كثير: 2/ 481، والسعديّ: 4/ 38، وابن عاشور: 12/ 78.